أيُّها المسؤولون المسيحيّون… اتَّقوا الله

 

أيُّها المسؤولون،

إنّ شعبكم مخلوقاتٌ اجتماعية جُبِلَت على التعبير عن ذاتها، وعلى التواصل والإبداع في ما بينها، ومع عالم الانتشار. غير أنّ وجودكم على رأس المسؤولية، الروحية منها والعلمانية، لا يخلو من الضعف والوهن، وهو أمرٌ بات شائعًا وملموسًا. فواقع المسيحيين في حضرتكم يعيش حالةً حضوريةً مدمِّرة، حيث صار التشبيح في المواقف مدعاةً للفخر لديكم، وإذلال الشعب تفوّقًا، والفساد نظامَ حياةٍ عاديّة تمارسونه بلا خجل.

أمّا تردّي الأوضاع العامة لدى المسيحيين، فقد أصبح في نظركم حالةً طبيعية. فالمسيحي مُهان، وأنتم بإطلالاتكم المبتسمة تتباهون، وتكذبون، وتظلمون شعبكم، وتُبالغون في ادّعاء الأسى، وكلّ ذلك من دون أن يرتعش لكم جفن.

إنّكم من صنف «المسؤول المتسلّط»، المسؤول السيّئ الذي يُسيء استخدام سلطته لفرض قرارات ارتجالية تخدم مصالحه الخاصة ومصالح حاشيته. وتعتمدون أسلوب التحكّم المُفرِط والسيطرة على الرأي العام المسيحي وتضليله. تتبنّون خطابًا سياسيًا يتّسم، في الغالب، بمستوى غير مسبوق من الانحطاط الأخلاقي والسياسي في تاريخ مسيحيّي لبنان، فانتشر الكذب، والتضليل، والتلفيق، فضلًا عن تبادل الشتائم في ما بينكم بلغة بذيئة نستحي من سماعها.

وجودكم في السلطة خراب، وأداؤكم يُعبّر عن منطلقات دكتاتورية وأفعال غير مسؤولة، تُتّخذ غبّ الطلب، وتُجيَّر لمصلحة الغريب لا لمصلحة الشعب المسيحي. ومع غياب «معارضة بنّاءة شريفة»، فإنّ ما يجري عمليًا يُعبّر عن خطٍّ انحداريٍّ تسلكونه. ونظرًا إلى غياب منظومة سياسية مسيحية متكاملة، فإنّ أداءكم ليس سوى شكلٍ من أشكال «العمالة»، عبر تبنّي منظومات الآخرين، ثم تقديم مصالحكم الخاصة ومصالح أنصاركم المُضلَّلين والمُستغَلّين، الذين يتحرّكون غبّ الطلب وفقًا لتعليماتكم. وبالتالي، فإنّ هذا التحرّك المادح لإنجازات وهمية ليس إلا خطابًا موجّهًا، استغلاليًا وكيديًا.

إطلالاتكم الشعبوية، القائمة على ذمّ الآخر وشيطنته وتلفيق التهم ضدّه، باتت من ضرورات ترويض الرأي العام المسيحي على عتبة استحقاق نيابي فصّلتم قانونه على قياسكم. تستخدمون وسائلَكم الإعلامية أبواقًا للكذب، تبثّ سموم الكراهية، وتنتهك الأعراض، وتمارس التنكيل ببعضكم البعض. وهذا السلوك لا يختلف عن سلوك عصابات المافيا، المتجاوزة للقانون والأعراف المجتمعية.

فلا مجالس فكر لديكم، وقد تحوّلت لقاءاتكم، على مختلف المستويات، إلى حلقات مهاترات، وتنابز بالألقاب، ونميمة، وخوض في أعراض الناس. لذلك، ليس غريبًا أن نرى كذبكم وتزييفكم للتاريخ على رؤوس الأشهاد، وأن تحوّلوا الشرفاء إلى خونة، فيما أنتم من باع الوطن والحضور المسيحي لتجلسوا على مقاعد سلطةٍ فارغة.

أيّها المسؤولون، لديكم قصور فادح في فهم الواقع السياسي وتوازناته المحلية والإقليمية والدولية، الظاهر منها والخفي، سواء من جهة الفاعل السياسي المباشر أو غير المباشر. لقد غيّبتم الفعل السياسي المسيحي المستقل، ما دفع الفاعل السياسي، بمعناه العام، إلى العزوف عن المشاركة الفعّالة أو إلى الانكفاء عن العملية السياسية برمّتها. تعانون ضبابيةً في الرؤية السياسية الاستراتيجية للمسيحيين، من حيث المنطلق والمقصد، الأمر الذي يسمح بالاستنتاج أنّكم تسيرون وفق رؤى الآخرين وتصوراتهم وأوامرهم. انعدمت الشورى الداخلية الحقيقية، ما جعل المواطن المسيحي مهزومًا ومأزومًا، وأضعف حضوره ودوره.

إنّ وجودكم في مراكز القرار، سواء في المؤسسات السياسية العلمانية أو في المؤسسات الدينية، أفضى إلى سياسات كارثية، بدأت بانهيار الاستقرار، وفقدان الحضور المسيحي في مؤسسات الدولة كافة، وعلى امتداد الجغرافيا اللبنانية، وصولًا إلى فقدان السيادة التي قامت عليها جمهورية العام 1920، وتغيير التركيبة الديمغرافية، فضلًا عن العزلة العربية والدولية، والتدهور السياسي والأمني والاقتصادي والمالي والاجتماعي والديمغرافي. وقد تبنّيتم سياسات الرضوخ، ورهنتم قرار المسيحيين كما رهنتم قرار الدولة، وفتحتم أبواب التهجير، وغيّبتم التنمية، ما هدّد الكيانين المسيحي واللبناني ومستقبلهما معًا.

عمليًا، ولأنّ حضوركم بات عبئًا على المسيحيين واللبنانيين، فإنّهم يواجهون غياب سياسة استراتيجية موحّدة، نتيجة انقساماتكم واصطفافاتكم السياسية الحادّة، الأمر الذي عطّل اتخاذ قرارات وطنية حاسمة. وقد أدّى هذا التخبّط إلى مآزق عميقة في الحضورين المسيحي واللبناني، حيث تباينت الرؤى حول كيفية إعادة التوازن واستعادة الدور المسيحي في إدارات الدولة.

وعلى عتبة الاستحقاق الانتخابي النيابي، ومن خلال قراءة موضوعية لأسباب تدهور الحضور المسيحي، وغياب السيادة الوطنية، وتراكم الأزمات، وتردّي الأوضاع المعيشية للمسيحيين واللبنانيين، يتبيّن أنّ سرّ استمرار هذا الواقع المرير يعود إلى بقاء هذا النوع من قادة الرأي، الذين يصنعون الوهم ويقدّمونه بديلًا عن الحقوق الفعلية، ثم يطرحون أنفسهم مرشّحين.

إنّ المطلوب اليوم، أيّها المسؤولون المسيحيّون، أن تتّقوا الله، لأنّنا شعب لا يعيش في دائرة الانتظار إلى ما لا نهاية.

فحقًا… اللي استحوا ماتوا.

 

مقالات الكاتب

بسام ضو

كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC