في مقالتها المنشورة قبل أيام في صحيفة بيروت 2030 بِعنوان “تحرير المجتمع المدني.. خطوة أولى نحو لبنان الجديد”، طرحَت الأستاذة كارين عبد النور فكرة تستحِقّ اهتمام كلّ مواطن لبناني جُبِلَ قلبُه على حُبِّ لبنان، وتَتوقُ نفسُه إلى لبنانٍ جديد.
نحو غايتنا السامية
بين غايةٍ مُجمَعٌ عليها وبين أسلوبٍ قابلٍ لِلنقاش، ينبغي علينا التركيز على الأهداف المرحلية، حتى يصبّ كلّ هدف مرحلي في خدمة الغاية النهائية بفاعلية أكبر، قادِحينَ الرأيَ بالرأيِ لِيلمع لنا بريق الصواب.
بمهارتها الإعلامية، طرحت الأستاذة كارين إضاءاتٍ هامّةٍ يجب ألا تغيب عن بالِنا، كما نجد أيضًا في ما طرحته بعضَ المفاهيم العِلمية التي يجب تمحيصها وإعادة تقييمِها بعين الباحِث السياسي، لضبط مسارنا الواحد، باتجاه غايتنا السامية.
إنّ تحرير المجتمع المدني رغم أهمّيته، لا يصحّ أن يكون بحدِّ ذاته غاية، بل هو مِنَ التَبِعات الحتمية لِلحَوكمة الرشيدة التي ينبغي أن تكون هي الغاية، ولن نبلغ الحَوكمة الرشيدة مِن خلال “حفر الصخر” بمحاولات تحرير المجتمع المدني، لماذا؟
بحسب أدبيات النظام السياسي اللبناني الحالي، فإنَّ محاولات “تحرير المجتمع المدني” في حال نجح شيءٌ مِنها، ستُعتَبَر غير شرعية، ذلك أنّ تلك المحاولات تتعارض مع صيغة “العَيش المُشترك”، أي الصيغة السياسية اللبنانية التقليدية التي تُبنى بِبَشاعة على “مُكَوِّنات”، لا على مواطنين “أفراد” كما ينبغي أن تكون عليه الأمور.
رغم هذا الشطَط، فقد أبدعت الأستاذة كارين عندما اعتبرت مِقياس الديمقراطية يكمُن في قدرة المواطن (الفرد) على محاسبة السلطة والأحزاب يوميًّا وليس فقط في صناديق الاقتراع مَوسِمِيًّا. لكن لو تأمّلنا في هذا الأمر لوجدنا شيئًا مِنَ التناقض، ذلك أنَّ “الحَوكمة الرشيدة” هي التي تُوَفِّرُ، بموجب دستور عصري، الديمقراطية المباشرة والتشاركية، إلى جانب الديمقراطية التمثيلية. وإذ ألمحَت الأستاذة كارين إلى ذلك ضِمنًا إلا أنّها لم تصل إلى الخلاصة المَرجُوَّة، فالحَوكمة الرشيدة دون سِواها، تضع لكلّ صِيَغِ الديمقراطية آليّاتٍ عملانية؛ وهذا يذكِّرنا مجدَّدًا بأنَّ مشكلتنا البنيوية في لبنان، لا تُجدي معها الحلول التي تتجاهل أسُس النظام السياسي، أي العقد الاجتماعي والدستور.
ميليشيات لا أحزاب
وفي سياق الطرح الذي تقدّمه الأستاذة كارين، برزت مسألة أخرى لا تقلّ أهمّية، ألا وهي مسألة الأحزاب، حيث دعت إلى تأسيس حزبٍ لا يملك الناس بل يملكه الناس، وهي بذلك تدعو إلى إعادة تعريف العلاقة بين الحزب والمواطن. ونحن إذ نرغب في ذلك بشدَّة، إلا أنَّنا نلفت عناية الأستاذة كارين إلى ضرورة ترتيب الأولويّات، وإليكم البيان:
إنّ مشكلتنا في لبنان تتجاوز سوء الممارسة الحِزبية، لِتصل إلى ماهيَّة الأحزاب نفسها، ذلك أنّها في لبنان ميليشيات وستظلّ ميليشيات، حتى يوجَد الرحم الذي يُنجِب أحزابًا وطنيّة، ألا وهو قانون الانتخاب السليم، غير المُفصَّل على مَقاس السلطة، والذي يتوافق مع المعايير العِلمية والعالمية. عِلمًا بأنّه يستحيل وجود قانون انتِخاب سليم في ظلّ دستور غير سليم.
تقول الأستاذة كارين أنّ الأحزاب في لبنان احتكرت المجتمع المدني، وهذا صحيح، ولا نعقِّب على كلامها هذا إلا لجهة وجوب الدِقّة في استخدام المصطلحات، فالصحيح هو أنَّ الميليشيات في لبنان- ولأنها ميليشيات- احتكرت المجتمع المدني.
“ليبهارت” وعقلية النَّدرة
لغاية اليوم، ولا شك لدينا بأنَّ الأستاذة كارين ستُعيد النظر في الأمر، تتبنّى رأي “أرند ليبهارت” بشأن “الديمقراطية التوافقية” كصيغة لإدارة المجتمعات التعدّدية.
ما ينطبق على “الديمقراطية التوافقية” هو ذاته ما ينطبق على صيغة “العيش المشترك”، وهكذا نلاحظ مرّة جديدة أنّ مشكلة المصطلحات السياسية في لبنان هي أخطر مِمّا يظنّ الجميع. فـَ “العيش المشترك” هو السَرد الخيالي الذي يذكِّر كلّ لبناني بأنّه ابن طائفة لا ابن وطن، و”العيش المشترك” هو اللُغم الخطير الذي يقف عليه اللبنانيّون باعتبارهم “مكوّنات”، في حين أنَّ السياسة الرشيدة توجب وقوفنا باطمئنانٍ على أرض المحبّة، باعتبارنا “مواطنين”.
لم يفهم “أرند ليبهارت” الديمقراطية التوافقية إلا على أنّها عكس الديمقراطية القائمة على حكم الأغلبية، في حين أنّ هناك صِيَغ كثيرة لحكم المجتمعات التعدّدية، لم تبلغ مسامع ليبهارت، ولا يعيبه ذلك لأنّه لم يواكب جديد عِلم السياسة، ولم يتعمّق في الإبداع السياسي، ولم يختبر دور الخيال المُتماهي مع مبدأ الوفرة.
إن نصف المعرفة أخطر مِن عدم المعرفة، وحال “أرند ليبهارت” في هذا الصدد كحال دعاة الفيدرالية في لبنان، الذين تجمّدت عقولهم عند نصف المعرفة، ولم يفهموا مِنَ اللامركزية الإدارية إلا صيغة واحدة، دون مواكبة جديد علم السياسة ودون اكتشاف كنز الصيغة اللامركزية الأمثل، أي مبدأ تفريع السلطة الذي يتيح للمواطنين بصفتهم مواطنون، أن يديروا شؤونهم الذاتية بأنفسهم عملاً بمبدأ التدبير الحرّ، وبذلك يحصل المواطنون على كل محاسن الفيدرالية دون أن يقعوا بعوارضها الجانبية، خاصة وأن الفيدرالية إن طبقت في لبنان سترتدي حتمًا ثوب الكونتونات الطائفية.
بسبب عقلية الشحِّ والنَدرة، لَم يجد “أرند ليبهارت” سبيلاً للخلاص مِن حكم الأغلبية، التي نرفضها كما يرفضها، إلا المناداة بِـ “الديمقراطية التوافقية” التي هي ألعن مِن شريعة الغاب، وهذا ما أثبتته التجربة اللبنانية عبر عقود.
مساوئ الديمقراطية التوافقية
تعتبر الأستاذة كارين أنَّ ما وصلنا إليه في لبنان مِن فشل سياسي يرجع إلى سوء تطبيق “الديمقراطية التوافقية”، والصحيح برأينا أنّ ذلك الفشل هو نتيجة حتمية لـ “الديمقراطية التوافقية” نفسها، فليس مِن قبيل الصدفة، بوجود تلك الصيغة:
- أن يستفحِل الخوف الطائفي المَوروث
- أن تستغل السلطة الخوف الطائفي لتكريس نفسها
- أن تتحوَّل المشاركة السياسية إلى تحاصُص وزبائنية
- أن يصبح التمثيل تقاسماً لِلمغانم
- أن يصبح الفيتو أداة لِلتعطيل ولِلانسداد السياسي
- أن تصبح حقوق الطوائف سببًا لإبعاد الناس عن فكرة المواطنة
السلطة كإطار للخدمة لا قالب جبنة للتناتُش
كيف ننظر إلى السلطة؟ هل هي غاية بحدّ ذاتها؟ إذا كنتُ أنا ابن طائفة X، ماذا يضيرني أن تولد سلطة كلّها مِن طائفة Y وتوفِّر لي سائر حقوقي؟ هل اغتصب حقوق المسلم إلا الزعيم المسلم؟ وهل اغتصب حقوق المسيحي إلا الزعيم المسيحي؟ متى نبلغ رشدنا السياسي ونفهم “وحدة وتعارض الأضداد”؟ متى نفهم حقوقنا بالعيش الهانئ؟ بالطبابة المجانية؟ بالمواصلات الآمنة وقليلة التكاليف؟ بالكهرباء دون انقطاع؟ بالمياه العذبة؟ بالبيئة السليمة؟ بالأمان وراحة البال حتى نعيش ونبدع ونحقق أحلامنا؟
هذه دعوة للتحلق حول منتج فكري للتغيير، يشكل رؤية واحدة واضحة، على أسس عِلمية، بدءًا بقانون انتخاب سليم، مرورًا بدستور عصري، وهذا يتطلّب هِممًا أعلى، وعقولاً أوعى.
ختامًا، معًا نحو لبنانٍ جديد، ورحلة الألف ميل تغدو قصيرة إذا بدأت بخطوةٍ صحيحة.

وليد المحب
باحث في عِلم السياسة ومؤسس جمعية "صون حق التعبير".
