إثارة النعرات المذهبية وصولاً لِلانتخابات النيابية

 

لا تخفى خطورة النعرات المذهبية على أحد، إلا أنَّ بعض المُستفيدين مِن إثارتها مِنَ السياسيّين والإعلاميّين يُصرّون على انتِهاجها.

يضع اقتراب موعد الانتخابات النيابية أخلاقيّات السياسيّين والإعلاميّين على المِحَكّ، وفي ظلِّ أزمة القيم المُتعاظِمَة، مِنَ الجيّد أن نُلقي نظرة على الحملات الانتخابية في لبنان سابقًا وراهنًا، لِنلاحِظَ التبايُن القِيَمي بين حقبتَين زمنِيّتَين، أثناءَ أكثر المواسِم تعبيرًا عن السجية الشعبية، ألا وهو مَوسِم الانتخابات.

بمراجعة الصحف القديمة وبالاستماع إلى قِصَصِ الجيل السابق، يتبيّن لنا أنَّ الضمائرَ كانت أكثر يقظةً وأنَّ القلوبَ كانت أكثر نقاءً، فحتّى خلال ذروة التنافس الانتخابي، ما كانت النعرات المذهبية تظهر بالوقاحة التي نلاحظها اليوم.

في الحديث عن يقظة الضمير ونقاء القلوب، كانت الشعارات الانتخابية تَحتَرِمُ إلى حدٍّ كبير عقولَ الجماهير. وكانت “القفشات الطريفة” تظهر فجأة وتحقِّقُ غاياتها التسويقية، بمعنى أنها تصبح على كلِّ لسان.

حتى أواخر الستينيّات، ظلَّ عَيبُ الحملات الانتخابية مُقتَصِرًا على موضوع الرشاوى الانتخابية. ورغم ما تنطوي عليه ظاهرة الرشاوى مِن مخاطر ومِن هشاشةٍ مُجتمعيّة، إلا أنَّ روح الدعابة ظلَّت ملحوظة مع انتشارها، ونذكر مثالَين اثنَين على ذلك:

  • المثال الأول، “النهفات” التي يذكرها آباؤنا، مثل “نهفة” التحوّل في شِعار “عثمان الدَنا مِنّا وَلَنا”، ليُصبِح الشعار “عثمان الدَنا مْناولْنا”.
  • المثال الثاني، عِندما جاء عددٌ مِنَ “المفاتيح الانتخابية” إلى دارة الرئيس صائب سلام، مُمتَعِضين مِن يافطات كبيرة قام بتثبيتها مؤيِّدو الرئيس “عبد الله اليافي” في شوارع بيروت، مكتوبٌ عليها إلى جانب صورة الأخير عبارة “البديل”. أشار عليهم الرئيس سلام بتثبيتِ صورٍ له مع عبارة “الأصيل”. فكانت النتيجة أن صارَت عبارات “البديل” و”الأصيل” مُضغَةً تلوكُها ألسن البيارتة، حتى صبيحة يوم الاقتراع.

جاءت الحرب اللبنانية لتعطِّل إجراء الانتخابات فترة طويلة مِنَ الزمن، ولمّا وضعت الحرب اللبنانية جزءًا مِن أوزارها عقب اتِفاق الطائف، وتقرَّر أن يُعاد العمل بموجبات النظام المُسَمّى زورًا “ديمقراطي” وآليّته “الانتخاب”، اتّصفت الحملات الانتخابية والشعارات المصاحبة لها بطابعٍ مغايرٍ عمّا كانت عليه قبل الحرب، ذلك أنه بالإضافة إلى آفة الرشاوى داخل الشريحة المجتمعية الواحدة، ظهرت آفة إثارة النعرات المذهبية فيما بين شرائح المجتمع المتعدِّدَة.

مع انحدار القِيَم، وكما دخل الخطاب الطائفي على خطّ الحملات الإعلامية، كذلك دخلت الممارسات التي تؤجِّج المشاعر الطائفية. فزعماء لبنان لا يجدون سبيلًا إلى تثبيت نفوذهم إلا مِن خلال تخويف اللبنانيين بعضهم البعض، ومن خلال ملء قلوبهم بالأحقاد والضغائن.

المُنتَج الرديء، لا تجديه نفعًا مخاطبة العقول. وعلى مستوى الخطاب قبيل إحدى الاستحقاقات الانتخابية، أطلق زعيم طائفة على زعيم آخر وصف “البلطجي” مخاطبًا الغرائز، وكان الثاني قد جهّز عددًا مِن أتباعه سلفًا للنزول الى الشارع وقطع الطريق وإشعال النار أمام مقرّ الزعيم الأول.

أمّا على مستوى الفِعل، فلم يجد زعماء الميليشيات ضميرًا يردعهم، أو يحول دون هدرهم لدماء محازبيهم في أحداث الطيونة عشية استحقاق انتخابي آخر. واليوم، تنتشر على مواقع التواصل التي باتت مسرحًا إعلاميًّا على مدار الساعة، خطابات مليئة بالروح الطائفية، وصلت مؤخَّرًا إلى حدّ تصريح أحد المرشحين، عقب زيارته لِدار الفتوى، بأنَّ مئذنة مسجد “الحسنين” سترتفع قريبًا في قلب الأشرفية! قد يكون هذا العمل بطبيعته مباركًا، لكنه مِن زاوية التوقيت والسياق، لعين للغاية!

فيما خصّ قانون الانتخاب، يقدِّم لنا عِلم أصول الصياغة التشريعية مبادئ ومفاهيم مِن شأنها ملء قلوب الناس بالمحبّة، ونفوسهم بالطمأنينة، وذلك مِن خلال توسيع المجال العام الذي يتوفَّر باعتماد الدائرة الكبرى في الانتخابات النيابية. ولا شيء يحول دون اعتماد الدائرة الكبرى إلا خبث السياسيين مِن جهة، وقلة الوعي السياسي لدى الأنتليجانسيا اللبنانية التي تحرص على تمثيل كل الشرائح في السلطة، بما في ذلك المرأة والمغتربين، بدلاً مِن حرصها على إطلاق حياة سياسية توفِّر الحَوكمة الرشيدة التي تنعكس خيرًا على جميع اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين ودروزًا وعلويّين، إناثاً وذكوراً، مقيمين ومغتربين.

مقالات الكاتب

وليد المحب

باحث في عِلم السياسة ومؤسس جمعية "صون حق التعبير".