بين نقاءِ المثالية وقسوة الواقع، يعيش معظمُنا صراعًا يوميًا لا نتحدّث عنه كثيرًا. نريد أن نكون أشخاصًا طيبين، صادقين، عادلين، نساعد الآخرين ونتمسَّك بمبادئنا… لكن العالم حولَنا لا يسير دائمًا بهذه البساطة. أحيانًا نقابل الظلم، الخداع، أو الأنانية. عندها نسأل أنفسَنا: هل نتمسك بمثاليتنا ونخسر، أم نتنازل قليلًا لنبقى واقعيين؟
في الحقيقة، الجواب ليس أبيض أو أسود. هناك منطقة وسطى، رمادية اللون، لكنها مليئة بالدروس. إنها المنطقة التي نكتَشف فيها أنفسنا وننضُج فيها فعلاً… فنَنجو…
في هذه المنطقة تسكُن قيمَة الحكمَة. الحكيم ليس من يعيش في الخيال، ولا من يرضَخ للواقع، بل من يعرِف متى يتكلَّم ومتى يصمُت، متى يتمسَّك ومتى يتنازَل. مثلَ الطِالب الذي يحلم أن يكون الأوّل دائمًا، لكنه يتعلّم أن الراحة النفسية أحيانًا أهمُّ من الكمال، وأن رحلَة التعلُّم أهمُّ من التَقييم بالعلامَة نفسها.
منطقة تسكنُها أيضًا المرونَة. فالمرِن لا يعني أنه ضعيف، بل إنه يعرف كيفَ يتكيّف دون أن يفقد نفسَه. خذ مثلًا على ذلك شخصًا بدأ عملًا جديدًا. يريد أن يثبتَ نفسَه، لكنّه يكتشِف أن بيئة العمل ليست مثالية. هناك ضغوط، منافسَة، وربما بعض الظُّلم. إذا تمسَّك بمثاليتِه الجامدة سيحتَرق بسرعة، وإذا استسلَم للواقع سيفقِد روحَه. المرونة تجعَله يوازن بين الطموح والقدرة، بين ما يستطيع تغييره وما عليه تقبُّله.
وفيها الصدقُ الواقعيّ، وهو الصدق الذي يرى الحقيقة دون أن يفقِد الأمل. كالشاب الذي يحلم بتغيير مجتمعِه. قد يصدمه البطء في التغيير، لكنه لا ييأس. يعترف بالصعوباتِ لكنه يواصِل العمل بخطواتٍ صغيرة، مؤمنًا أن كل تغييرٍ يبدأ في سلوكِه الشخصي.
في تلك المنطقة أيضًا تولد الرحمَة. فالقاسي لا يعرِف الرحمَة إلا إذا ذاق القسوَة بنفسِه. لذلك نجد أن أكثر الناس لطفًا هم من مرّوا بتجارب صعبة. مثل المعلّمة التي لم تجد من يفهمها في صغَرها، فاختارت أن تكون مع طلابها الشخص الذي كانت تحتاجه يومًا.
ونجد فيها الإصرار الهادئ. ليس الإصرار الصاخب الذي يرفَع الشعارات، بل ذاك الصبر اليوميَ الذي يجعَل الشخص يستيقِظ كل صباح رغم التعَب، ويقول لنفسه: سأحاول من جديد.
وأخيرًا، يسكنُها التواضُع. فكلُّ من اختَبر الحياة بعمقٍ يدرِك أن المثالية المطلَقة مستحيلَة، وأننا جميعًا نحاوِل، نخطئ، ونتعلّم.
المنطقة بين المثالية والواقع ليست مكانًا للضعف، بل هي تذكِّرنا بطبيعَتنا المجبولة بالضعف كما بالقوة، إنها مساحَة النموّ الحقيقي. فيها نصبح أكثر وعيًا، أكثر فهمًا لأنفسنا وللآخرين. إنها ليست منطقَةً رماديةً بمعنى التلَوُّن الخَبيثُ الوصوليّ، بل مساحةً من ألوانِ التجربَة الإنسانية، في حياةٍ لم نولَد فيها فعلياً للنجاح… بقدرِ ما وُلِدنا للنَجاة…

مروان الأسمر
مدرّب دولي؛ مدرّب حياة؛ مدّرب في مجال الأعمال – باحث دكتوراه في الحكومة الإلكترونية والتنمية المستدامة.
