شكّل حدثان حديثان ملامح الدور الحاسم الذي سيؤديه الذكاء الاصطناعي في الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
الحدث الأول يكشف مدى التحول الجذري في النقاش حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب: ففي عام 2018، نجح موظفو شركة “غوغل” في تعطيل أي استخدام عسكري لتقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة، بعد احتجاجات واسعة. كم يبدو ذلك النقاش بعيدًا اليوم، في لحظة تقوم فيها شركة “أنثروبيك” بمقاضاة وزارة الدفاع الأميركية، ليس لوقف تعاونها مع الجيش، بل للاستمرار فيه. فالصراع بين “أنثروبيك” ومسؤولي إدارة ترامب لا يدور حول ما إذا كان ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب، بل حول كيفية استخدامه.
أما الحدث الثاني، فهو الاجتياح الإسرائيلي لقطاع غزة المدعوم بتكنولوجيا متقدمة بشكل غير مسبوق، والذي سبق الضربة الكارثية التي استهدفت مدرسة للفتيات في إيران قبل أقل من شهر، وأسفرت عن مقتل المئات، بينهم عدد كبير من الأطفال. والحال أن نمط الاستهداف واسع النطاق، الذي أتاحه الذكاء الاصطناعي واختُبر في غزة، جرى تكراره لاحقًا في طهران وأماكن أخرى.
بحسب زميلي نِك روبنز-إيرلي، فإن رفض “أنثروبيك” إزالة ضوابط الأمان، وردّ فعل البنتاغون اللاحق، أعادا تسليط الضوء على مخاوف قديمة تتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات. غير أن هذا الخلاف يُظهر إلى أي حد تغيّرت المعايير خلال أقل من عقد، في ما يتعلق بعلاقة شركات التكنولوجيا الكبرى بالمؤسسة العسكرية.
في عام 2018، أطلق آلاف موظفي “غوغل” احتجاجًا ضد برنامج تابع لوزارة الدفاع الأميركية يُعرف بـ”مشروع مافن” (Project Maven)، كان يهدف إلى تحليل لقطات الطائرات المسيّرة. وبعد ثماني سنوات فقط، أعلنت “غوغل” هذا الأسبوع أنها ستوفر نظامها للذكاء الاصطناعي “Gemini” للجيش، بما يتيح إنشاء منصات لتطوير وكلاء ذكاء اصطناعي يعملون على مشاريع غير سرية. وبعد أن تخلّت “غوغل” عن عقد “مشروع مافن” في عام 2019، تولّت شركة “بالانتير” المهمة. وأصبح “مافن” اليوم اسم النظام المصنّف سريًا الذي يستخدمه العسكريون للوصول إلى نظام “كلود” التابع لشركة “أنثروبيك”، وفقًا لما ذكرته صحيفة “واشنطن بوست”.
وفي مقال لأفنير غفاريهو، يرى أن شركات الذكاء الاصطناعي أصبحت بمثابة متعهدي الدفاع الجدد: لقد وُصفت الحرب الإسرائيلية الأخيرة في غزة بأنها أول “حرب ذكاء اصطناعي” كبرى، أي أول حرب تلعب فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي دورًا مركزيًا في إعداد قوائم الأهداف التي يُزعم أنها تضم مقاتلين من حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي”. وهي أنظمة قامت بمعالجة مليارات نقاط البيانات لتقدير احتمال أن يكون أي شخص داخل القطاع مقاتلًا.
وسواء كان اختيار هذه المدرسة قد تم بواسطة خوارزمية أم لا، فإنها استُهدفت ضمن منظومة بُنيت على الاستهداف الخوارزمي. ولتنفيذ ضربات على ألف هدف خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من الحملة في إيران، اعتمد الجيش الأميركي على أنظمة ذكاء اصطناعي لتوليد قائمة الأهداف وترتيب أولوياتها وتصنيفها، بسرعة لا يمكن لأي فريق بشري مجاراتها.
لقد كانت غزة بمثابة المختبر في هذا المضمار. أما الضربة التي استهدفت مدرسة “شاجاره طيبة” الابتدائية في مدينة ميناب جنوب إيران، فهي ميدان التسويق. وهكذا، تمسي النتيجة عالمًا تُتخذ فيه أخطر قرارات الاستهداف في الحروب الحديثة بواسطة أنظمة لا تستطيع تفسير قراراتها، وتُزوَّد بها جيوش من قبل شركات لا تخضع للمساءلة، ضمن نزاعات لا تنتج أي محاسبة ولا أي مراجعة.
وهذا، في الواقع، ليس خللًا في النظام. بل هو استحال النظام بذاته.
ترجمة بتصرف عن صحيفة “الغارديان”
بقلم / بلايك مونتغومري

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
