لا أحد ينكر أن لبنان يمرّ بظروف استثنائية: حرب مفتوحة في الإقليم زُجّ لبنان في خطّها الأمامي، تهجير واسع، اقتصاد منهار، مؤسسات ضعيفة، ومجتمع واقع تحت ضغط هائل. والمنطقة بأسرها تشهد تحولات عميقة وصراعات مفتوحة تعيد رسم موازين القوى فيها، فيما يقف لبنان في قلب هذه العاصفة.
لكن ما حصل في المجلس النيابي اليوم لا يمكن التعامل معه كإجراء تقني بسيط فرضته الظروف. فالتمديد لسنتين هو قرار سياسي كامل الأوصاف، وليس مجرد تأجيل إداري لاستحقاق دستوري.
المشكلة ليست في الاعتراف بالظروف الاستثنائية، بل في تحويلها إلى ذريعة لتمديد الأمر الواقع بدل العمل على معالجته.
كان يمكن أن يكون النقاش مختلفًا. كان يمكن ربط التأجيل بخطة واضحة لإدارة هذه المرحلة: كيف سيُدار خطر الحرب؟ كيف سيُضبط الداخل ويُصان استقراره بما يتيح للبنان التفاوض مع الخارج؟ كيف سيُحمى المجتمع من الانقسام والتفكك؟ وكيف سيُعاد تثبيت مرجعية الدولة في بلد ما زال قرار الحرب والسلم فيه خارج إطار مؤسساتها؟
إن إطلاق الصواريخ من الأراضي اللبنانية من قبل حزب الله، انسجامًا مع الأولويات الإيرانية، مثال واضح على هذا الخلل. فقرار بهذا الحجم لا يمكن أن يبقى خارج الدولة، لأن نتائجه لا تطال طرفًا واحدًا، بل تصيب المجتمع اللبناني بأكمله.
وفي المقابل، فإن القصف الإسرائيلي والتهجير الذي يطال اللبنانيين يشكلان خطرًا مباشرًا على تماسك المجتمع. وهذا الواقع يزيد الحاجة إلى دولة بمرجعية واحدة، قادرة على حماية المجتمع وإدارة المخاطر والموارد، لا إلى واقع تتوزع فيه المرجعيات بين الدولة وأمراء الطوائف، والقرارات الأحادية التي تخدم الخارج على حساب الداخل.
كان يمكن ربط التأجيل بمسارات جدّية لإدارة هذه المرحلة، بدل أن يكون قرارًا قائمًا بذاته. على سبيل المثال: تشكيل حكومة مصغّرة بمهام واضحة وصلاحيات محددة واستثنائية لإدارة تداعيات الحرب، وتنظيم الموارد، وفتح مسارات تفاوض واضحة لحماية ما تبقّى. أو اعتماد إطار استثنائي يتيح توحيد القرار الأمني والإداري في مواجهة المخاطر. كما كان يمكن ربط التأجيل بسلة إصلاحات سياسية وانتخابية متكاملة تُنفَّذ خلال هذه الفترة لإطلاق مسار إصلاحي حقيقي: قانون انتخاب أكثر عدالة، إصلاحات تعزّز شفافية العملية الديمقراطية، وضمان مشاركة اللبنانيين في الداخل والاغتراب بشكل كامل في الحياة السياسية. عندها يصبح التمديد مرحلة انتقالية محددة الهدف، تنتهي مع انتهاء الحرب بالعودة إلى مسار دستوري وبنّاء.
لكن شيئًا من ذلك لم يُطرح إلا نادرًا، وبالتأكيد لم يُقدَّم ضمن رؤية متكاملة.
التمديد حصل وأصبح واقعًا. لكن الخطر الحقيقي هو أن تمرّ السنتان المقبلتان كما مرّت سنوات كثيرة قبلها: إدارة للأزمة بدل معالجتها، وشراء للوقت بدل استثماره.
فالتمديد قد يكون مبرّرًا في زمن الحرب، لكن ما لا يمكن تبريره هو أن يتحوّل تمديد نصف ولاية المجلس إلى غاية بحد ذاته.
الأهم من ذلك هو إعادة تثبيت الدولة كمرجعية وحيدة لقرار الحرب والسلم، وحفظ السيادة.
فلبنان لا يحتاج إلى تمديد جديد للأزمة، ولا إلى شعارات في مواجهة تبعات الحرب المفتوحة، ولا إلى إعادة إنتاج القوى التي ساهمت في صناعة الأزمات أو جرّ البلاد إلى الحروب، ثم عجزت عن مواجهة تبعاتها، بل يحتاج إلى استخدام الوقت المتاح لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وحماية ما تبقّى من مقدّرات مجتمعنا.
السؤال الحقيقي اليوم ليس لماذا حصل التمديد، بل كيف سيُستخدم الوقت الذي فُرض على اللبنانيين خلال السنتين المقبلتين.
نريده أن يكون فرصة لإنقاذ الدولة وحماية لبنان من المخاطر الجدية، لا سنتين إضافيتين من تدوير الأزمة، وإدارة الانهيار، والعجز في مواجهة التفكك.

علاء الصايغ
سياسي لبناني مستقل، وخبير في الابتكار الاقتصادي-الاجتماعي والإصلاح الديمقراطي. مستشار في مركز الديمقراطية للشرق الأوسط في واشنطن.
