في عزّ التعقيدات، يظهر دائمًا أنبياء التبسيط والثنائيات الأخلاقية: معنا أو ضدنا، مقاومة أو خيانة، حرب أو استسلام.
في الواقع، هناك دولتان مستعدتان لهذه الحرب منذ زمن طويل، وتتعاملان معها بوصفها جزءًا من استراتيجياتهما: إيران وإسرائيل: إيران بنت، خلال أربعة عقود، شبكة نفوذ وأذرع عسكرية في المنطقة، ويأتي حزب الله ضمن عدّتها في إطار طموحها الإقليمي؛ أما إسرائيل، فتمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا واضحًا، وتتعامل مع المنطقة بمنطق استراتيجي هجومي يهدف إلى ترسيخ تفوقها الإقليمي. وقد استُخدم هذا التفوق مرارًا في حروب واعتداءات مدمّرة على لبنان والمنطقة.
أما لبنان، فقد زُجّ في الخط الأمامي لهذه الحرب؛ حربٌ وجد لبنان نفسه فيها نتيجة ارتباط قرار الحرب في البلد بأولويات الحرس الثوري الإيراني، في توقيت مناسب لطهران، وفي الوقت نفسه ملائم كذريعة لإسرائيل.
في لبنان، لا مجتمعنا قادر على تحمّل هذه الحرب، ولا اقتصادنا يحتمل كلفتها، ولا تتوافر شرعية شعبية جامعة لقرار خوضها.
بل نحن أمام دولة ضعيفة، يتحكم بقرارها ائتلاف أمراء الطوائف، وقرار سيادي مخترق بتوازنات داخلية وخارجية تقوّض فكرة السيادة نفسها.
في جوهر الأمر، لبنان ليس طرفًا متكافئًا في هذه المعادلة، بل ساحة تُدار فيها توازنات الآخرين.
هذه ليست حرب المجتمع اللبناني، بل حرب يُدفع لبنان إلى خوضها فيما لا يملك قرارها ولا مصلحة له فيها. وفي ظروفها وتوقيتها وميزانها الحالي، تدفع لبنان إلى أخطر نقطة وصل إليها منذ عام 1990: الاقتراب مجددًا من حافة الانفجار الداخلي.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية الوطنية اليوم ليست في رفع الصوت للحرب، بل في حماية المجتمع اللبناني، «بأي طريقة»، من أن يتحول مرة أخرى إلى وقود لصراعات لا يملك قرارها ولا مصلحته فيها.

علاء الصايغ
سياسي لبناني مستقل، وخبير في الابتكار الاقتصادي-الاجتماعي والإصلاح الديمقراطي. مستشار في مركز الديمقراطية للشرق الأوسط في واشنطن.
