من الحرب بالوكالة إلى التفاوض بالوكالة: هل يستعيد لبنان قراره؟

من وضع لبنان في قلب الحرب خدمةً لحسابات إيران ووفق أولوياتها وتوقيتها، لا يحقّ له أن يمنع الدولة من العمل على إخراجه منها. ومن يحلّل لإيران التفاوض المباشر مع أميركا، لا يحقّ له أن يحرّم على دولة لبنان أن تقوم بالتفاوض.

واليوم، ومع انتقال الصراع إلى مسار تفاوضي، لا يجوز منع لبنان من امتلاك قراره في كيفية الخروج من الحرب. وما قامت به الدولة في استعادة المسار التفاوضي يُعدّ خطوة مهمّة، من حيث فتح باب للخروج من الحرب بأقلّ خسائر ممكنة وبصيغة قابلة للاستدامة.

في المقابل، تتصرّف إسرائيل بمنطق محسوب لا يمكن مواجهته في ظلّ مناخ الانقسام والتخوين القائم. فهي تصعّد ميدانيًا وتفتح باب التفاوض في الوقت نفسه، ساعيةً بذلك إلى تحويل طاولة التفاوض إلى امتداد للضغط العسكري، وإلى فرض سلاح حزب الله عنوانًا مركزيًا لأي نقاش.

وهنا تتقاطع مسارات قد تكون خطيرة على لبنان: مسار تفاوضي أميركي–إيراني تحاول طهران من خلاله تثبيت موقعها، وفكّ عزلتها، وإضافة نقاط إلى أجندتها التفاوضية بما يخدم مصالحها؛ ومسار تفاوضي لبناني–إسرائيلي يُراد له أن يبدو منفصلًا في الشكل، فيما يُخضع لبنان للنقاش في نقطة واحدة وتحت النار.

ماذا يعني ذلك فعليًا؟ يعني أن لبنان مهدّد بأن تُنتَزَع مصلحته بين المسارين: ورقة في المسار الأول تعزّز الموقف التفاوضي الإيراني، وملف أمني في المسار الثاني يمنح إسرائيل فرصة للعب في الداخل اللبناني، مستفيدةً من الانقسام القائم.

لهذا السبب تحديدًا، فإن الذهاب إلى التفاوض ليس المشكلة، بل الذهاب إليه من دون إطار لبناني واضح وموحّد هو المشكلة. ويبدو أن هذا ما يحاول كلّ من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء تحقيقه، ولا سيما من خلال السعي إلى الخروج من صيغة “مجلس الطوائف” في تشكيل وفد التفاوض. والأخطر من ذلك، محاولات حزب الله منع لبنان أصلًا من خوض التفاوض بقراره وبأجندة لبنانية موحّدة.

لنكن صريحين: التفاوض تحت النار مرفوض، لكن إبقاء لبنان تحت النار ومنع أي مسار سياسي تفاوضي للخروج منها ليس “موقفًا مبدئيًا”، بل قرار بإطالة أمد الحرب وبإبقاء لبنان في قلبها. كما أن ربط مصير لبنان بمسار تفاوضي تقوده إيران لخدمة مصالحها هو، عمليًا، تسليم بأن لبنان ليس كيانًا ناجزًا، بل ساحة لإيران تفاوض عنها، وهذا ما يجب كسره.

المطلوب اليوم ليس شعارات، بل خطوات واضحة: أولها الضغط الإعلامي والسياسي والدبلوماسي لفرض وقف إطلاق نار بوصفه مدخلًا إلزاميًا لأي تفاوض؛ وثانيها تحديد أجندة لبنانية صريحة لا تختزل البلد في بند واحد، لأن طرحه منفردًا يكون تفكيكيًا في الداخل، ولا تتهرّب من أي ملف؛ وثالثها استعادة الدولة لقرارها في التفاوض، ذلك أن أي تفاوض لا تقوده الدولة، وأي حرب لا تقررها، هما وجهان للمشكلة نفسها.

لبنان لا يحتاج إلى من يفاوض باسمه غير دولته، ولا إلى من يمنع دولته من التفاوض لصالح دولة إيران.

مقالات الكاتب

علاء الصايغ

سياسي لبناني مستقل، وخبير في الابتكار الاقتصادي-الاجتماعي والإصلاح الديمقراطي. مستشار في مركز الديمقراطية للشرق الأوسط في واشنطن.