مع دخول اتفاق وقف الأعمال القتالية الأخير حيّز التنفيذ، بدا المشهد في جنوب لبنان أكثر تعقيداً مما توحي به النصوص الدبلوماسية. فالهدوء النسبي الذي يُفترض أن تفرضه الهدنة لم ينعكس انسحاباً للجيش الإسرائيلي من الأراضي التي توغلت فيها قواته منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في 26 تشرين الثاني 2024، بل على العكس، تكرّس واقع ميداني جديد يتداخل فيه العسكري بالسياسي، ويطرح أسئلة عميقة حول مستقبل هذه المرحلة.
على الأرض، لا يظهر الانتشار الإسرائيلي على شكل خط تماس واضح أو جبهة متصلة، بل كشبكة من النقاط والجيوب المتفرقة الممتدة عبر القطاعات الغربي والأوسط والشرقي. هذا التوزّع يعكس طبيعة التقدم العسكري الذي بلغ، في بعض المحاور، عمقاً يتجاوز عشرة كيلومترات، حيث سُجّل توغّل يقارب ستة كيلومترات في القطاع الغربي، وثمانية كيلومترات في القطاع الأوسط، وصولاً إلى اثني عشر كيلومتراً في القطاع الشرقي، مع انتشار خمس فرق عسكرية إسرائيلية تعزّز هذا التمركز.
غير أن هذا الحضور لا يعني، وفق المعايير العسكرية الكلاسيكية، بلوغ مستوى السيطرة الكاملة. فثمة فارق جوهري بين إعلان السيطرة وتحقيقها فعلياً، إذ إن السيطرة التامة تتطلب تثبيتاً دائماً للأرض وتطهيرها من أي وجود معادٍ، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
في بنت جبيل، ضمن القطاع الأوسط، تبدو المدينة محاصرة من عدة جهات، إلا أن وجود مجموعات مقاتلة داخلها، من أبنائها ومن القرى المحيطة بها، يبقيها نقطة توتّر مفتوحة، ويحوّل من بقي فيها إلى ورقة ضغط في أي مفاوضات مقبلة. أما في مدينة الخيام، في القطاع الشرقي، فلا تزال السيطرة الإسرائيلية جزئية، بعد صدّ تقدّم الجيش الإسرائيلي ومنعه من فرض سيطرة فعلية عليها.
استراتيجياً، تسعى إسرائيل إلى إعادة تعريف هذا الانتشار بوصفه “منطقة أمنية متعددة الطبقات”، تهدف إلى إبعاد التهديدات عن حدودها الشمالية. غير أن هذا المفهوم يصطدم بواقع ديموغرافي معقد، إذ إن تحويل مناطق واسعة إلى مساحات خالية من السكان يخلق أزمة إنسانية، ويعيد رسم الخريطة السكانية للجنوب، ما يفتح الباب أمام تداعيات طويلة الأمد تتجاوز البعد العسكري.
في المقابل، أدّى نقل خطوط المواجهة إلى عمق الأراضي اللبنانية إلى إضعاف الإطار الذي شكّله القرار الدولي 1701، والذي كان ينظّم التوازنات في الجنوب منذ سنوات. كما تراجع الدور الوسيط لبعض الأطراف الدولية على الأرض، بعدما أصبح الواقع الميداني العامل الحاسم في رسم حدود النفوذ.
أما الاتفاق الذي تم التوصل إليه لمدة عشرة أيام، فيعكس بدوره هذا التعقيد. فهو ينص على وقف العمليات الهجومية من الجانب الإسرائيلي، مقابل التزامات لبنانية باتخاذ إجراءات لمنع أي هجمات، لكنه يترك ثغرات واسعة، أبرزها احتفاظ إسرائيل بحق الرد تحت عنوان “الدفاع عن النفس”، في حين لا يتضمن النص التزامات واضحة وموازية للطرف اللبناني. كذلك، لم يتطرق الاتفاق بشكل صريح إلى مسألة الانسحاب أو مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، كما تجاهل قضايا إنسانية ملحّة، في مقدمتها عودة السكان إلى أرضهم.
كل طرف يقرأ هذه المعادلة من زاويته الخاصة. فإسرائيل ترى في الاتفاق فرصة لتثبيت مكاسبها الميدانية وتحويلها إلى أمر واقع طويل الأمد، مستندة إلى بند “الدفاع عن النفس” كغطاء لأي تحرك لاحق. في المقابل، يركّز لبنان على استعادة سيادته وفتح الطرق أمام عودة السكان، وقد بدأت بالفعل خطوات لإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة لتسهيل هذا المسار. أما حزب الله، فيتعامل مع الهدنة كإجراء مؤقت، معتبراً أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي يبرّر بقاء خيار مقاومة الاحتلال قائماً.
وسط هذه التناقضات، يبقى السؤال الأساسي: هل يمكن لهذه الهدنة الهشّة أن تتحول إلى مسار مستدام نحو الاستقرار؟ المؤشرات الحالية لا توحي بإجابة حاسمة، إذ يبدو الاتفاق، بصيغته الراهنة، أقرب إلى تجميد مؤقت للصراع منه إلى حل جذري له.
وبينما تتراكم الوقائع على الأرض، تظل احتمالات التصعيد قائمة، ما لم تُترجم التفاهمات إلى خطوات عملية تعالج جذور الأزمة، لا مجرد مظاهرها.
وعليه، يقف جنوب لبنان عند مفترق طرق دقيق، حيث تتقاطع الاعتبارات العسكرية والأمنية والسياسية والإنسانية، فيما تبقى الأيام المقبلة وحدها كفيلة بكشف الاتجاه الحقيقي للمسار. فإما أن تتحول هذه الهدنة إلى مدخل لتهدئة تدريجية، أو أنها ليست سوى فاصلة زمنية قصيرة في حرب مفتوحة.
وعند هذه النقطة تحديداً، لا يبدو أن السؤال هو ما إذا كانت المواجهة ستعود، بل متى وكيف. ويبقى اليوم الحادي عشر لناظره قريب.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
