بين دم الطالبة ثيودوسيا وامتحانات حزيران: من يضمن سلامة الطلاب؟

لم يكن طريق العودة من الجامعة إلا طريق حياة وعلم وأمل، لكن القدر الغاشم كان يتربّص بالطالبة ثيودوسيا جايمس كرم، تلك الزهرة الجنوبية التي خرجت من بلدة القليعة لتقطف ثمار المعرفة، فاغتالتها إسرائيل بغارة جبانة استهدفت سيارة عائلتها، لتخطف منها المستقبل، ومن وطنها ابنة بارّة لم تبخل يومًا بدمها ولا بجهدها. وهكذا أضاف العدوان الغاشم اسمًا جديدًا إلى قائمة الشهداء الذين ارتقوا في سبيل التحصيل العلمي، ليختلط دم الطلاب بتراب الطرقات. كم من ثيودوسيا سيقع قبل أن يتحرّك الضمير؟ ومن التالي؟ كم من أمّ ستودّع ابنها باكية، وكم من أب سينتظر عودة فلذة كبده بقلب مرتجف؟ إنّ آلاف الطلاب والأساتذة سيُجبرون قسرًا على خوض مغامرة الموت للوصول إلى مراكز الامتحانات، في ظل تصعيد أمني غير مسبوق وقصف عشوائي لا يستثني أحدًا.

الحديث هنا ليس نظريًا. ففي الجنوب الصامد، من مرجعيون وحاصبيا إلى دبل والقليعة ورميش وصور، كيف سيقطع الطلاب والأساتذة مسافات طويلة تحت وقع القصف؟ الأمهات يودّعن أبناءهن عند بوابة المدرسة كأنّهن يودّعنهم إلى غير رجعة، والأساتذة يتنقّلون من قضاء إلى آخر بقلوب خافقة وأعين تتلفّت إلى السماء خوفًا من صاروخ من دون إنذار. هذا واقع مرير يعيشه الآلاف يوميًا، وهم يتساءلون: هل قيمة الامتحان أو الإشراف عليه تساوي أن نخاطر بأرواحنا وأرواح أبنائنا؟

نسأل بكل وضوح: من المسؤول إذا سقطت سيارة تقلّ طلابًا أو أساتذة أثناء توجّههم إلى الامتحانات؟ هل تتحمّل وزارة التربية المسؤولية؟ أم الحكومة؟ إنّ صمت الوزارة عن تقديم أي إجراء وقائي أو بديل آمن يضعها أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية لا تُغتفر. نحن مع العدالة التربوية، لكن هل العدالة أن يموت طالب في طريقه إلى الامتحان بينما يؤدي آخر امتحانه في أمان؟ هل العدالة أن يتعرّض أستاذ للقصف من أجل مراقبة امتحان لا يتقاضى عليه أجرًا عادلًا؟

أصوات الطلاب والأهالي تتصاعد بوجع. فطالبة من رميش تسأل: «كيف أحضر إلى مركز الامتحانات وأنا تحت القصف؟»، وأخرى من مرجعيون تقول: «لماذا لا يُراعى وضعنا النفسي والضغوط اليومية؟»، وثالثة من صور تتساءل عن مصيرها ومصير زملائها في القرى التي لم ينزح منها أحد. كلّها أصوات ترفع سؤالًا واحدًا: لماذا لا نُعامَل كحالة استثنائية تستحق حلًا استثنائيًا؟

فالسؤال الأخلاقي المحوري يُطرح: هل إجراء الامتحانات الرسمية في موعدها، وسط التصعيد الذي يضرب الجنوب والضاحية والبقاع، واجب تربوي، أم أنّ الحفاظ على حياة الطلاب والأساتذة هو الواجب الأول؟ في وقت تتصاعد فيه المطالبات بالتريّث، نرى تمسّكًا غريبًا بخطة الدورات الثلاث، كأنّ أي تراجع سيُقرأ هزيمة. لكن الثمن المحتمل هو أرواح بشر. فالأوساط التربوية والأهالي لا يطلبون إلغاء العام الدراسي، بل يطالبون بمعالجات استثنائية. فكما جرى تعليق الامتحانات أيام كورونا ومنح الإفادات، فإنّ الدماء اليوم هي الأولوية. لذلك، إمّا أن تتحمّل الوزارة مسؤولية توفير بيئة آمنة، وهو شبه مستحيل في ظل الحرب المفتوحة، وإمّا أن تعلن بوضوح عن بدائل تحمي الجميع من مغامرة الموت اليومية.

لروح الطالبة ثيودوسيا الرحمة، ولعقل كل مسؤول سؤال أخير: أيّهما الأهم في 29 حزيران: ورقة الامتحان أم حياة أبنائنا؟

مقالات الكاتب

د. حسين محمد سعد

نقابي وباحث تربوي