ضمن منهجية العلم السياسي، فإنّ نشأة الأنظمة السياسية مُلزِمة بالارتكاز على تطوّر الفكر السياسي كما تطوّر رجال السياسة وتطوّر المجتمع وحاجاته. وقد نشأت هذه الأنظمة وفق تطورات تاريخية وجغرافية وديموغرافية وثقافية أثبتت حضورها في المجتمعات. ومن حيث المبدأ، تتشكّل الأنظمة السياسية الحديثة على قاعدة التفاعل بين المؤسسات الرسمية (السلطات: التشريعية، القضائية، التنفيذية) إضافة إلى المجتمع المدني بكلّ مكوّناته.
كيف نُنشئ نظامًا سياسيًا حرًا، سيّدًا، محترفًا؟ يكون ذلك عبر نسقٍ من القيم الوطنية والأخلاقية والأفكار البنّاءة والمعايير العلمية التي تستند إلى الأصول الديمقراطية وشرعة حقوق الإنسان، لأنّ الأنظمة السياسية وُجدت في أصلها لخير المجتمعات ورفاهيتها، من خلال العمل على إرساء السلام والمساواة بين البشر وحلّ النزاعات والمشكلات بالسبل السلمية. علمًا أنّ الهدف الجوهري للأنظمة السياسية يتمثّل في تطبيق المبادئ السيادية التي تحفظ الحقوق، بما يؤدي إلى بناء مجتمع سياسي حرّ، سيّد، محترف.
واستنادًا إلى العديد من الدراسات الموثقة لدى مراكز الأبحاث، فإنّ مفهوم نشأة النظام السياسي لا يمكن حصره بتعريف موحّد، بل هو مفهوم يختلف من بلد لآخر ومن دولة لأخرى، بل وقد يختلف تفسيره داخل الدولة نفسها. ولذلك فإنّ اختزال تعريف النظام السياسي بنموذج واحد يُعدّ غير منصف شكلًا ومضمونًا. فجميع مراكز الأبحاث السياسية العلمية تُعرّف النظام انطلاقًا من التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا والثقافة وعصر كلّ شعب وتجارب مجتمعه.
في التجربة اللبنانية، يُعدّ النظام السياسي قوة معنوية ظاهرها سياسي وقانوني ومجتمعي، لكنه عمليًا نظام شبه معقّد قائم على الزبائنية والطائفية والارتباطات الخارجية. ولا بدّ من التذكير بأنّ ظهور النظام السياسي اللبناني (دولة العام 1920) جاء نتيجة تطوّر المجتمع السياسي داخليًا وخارجيًا وحاجته إلى التنظيم. فهو لم ينشأ من العدم، بل تأسس بناءً على رغبة وطنية إسلامية–مسيحية وفق صيغة العام 1943. وفي علم السياسة يبرز دور نشأة النظام السياسي بين قوي وضعيف، وقد شهد النظام اللبناني تطورًا سلبيًا عندما سمحت السلطات المتعاقبة بتدخّل خارجي مباشر في شؤونه الداخلية والخارجية، ما جعل شكل النظام يتحول إلى أحد عناصر تفكك الدولة.
أما اليوم، فقد شهد النظام السياسي اللبناني تغييرات حاسمة أسقطت مجموعة من القواعد الدستورية التي كانت قائمة على دستور العام 1926، ولا تزال تفاعلات هذه التغييرات مستمرة حتى اللحظة. كثيرة هي التبريرات والتفسيرات التي قُدّمت لهذه التحولات. فالأزمة التي يتعرض لها هذا النظام ليست عفوية في طبيعتها، بل هي أزمة مركّبة ذات مظاهر متعددة. فهي، في الإجمال، أزمة حكم وحكّام، وانشقاقات وانقسامات، وأزمة سياسات تتصارع على الأرض اللبنانية، وهي ـ وفق وجهة نظر مركزنا البحثي PEAC ـ انعكاس لآليات ممارسة السياسة في مجتمع سياسي منقسم على ذاته.
أجمعَ فقهاءُ العلوم السياسية على أنّ نشأة النظام السياسي لا تقوم إلاّ بتوافر ثلاثة أركان أساسية: الشعب باعتباره الركن الأول، والأرض ببعدها الجغرافي الخاضع لسلطة وسيادة الدولة بوصفها الركن الثاني، أمّا الركن الثالث فهو السلطة الحاكمة المكلّفة بالحفاظ على النظام وفق تشريعات قانونية نافذة، وهذه من مهام السلطة التنفيذية. كما يتضمّن هذا الركن أيضًا حلَّ المنازعات بين المواطنين عبر قضاء مستقل، وهو ما يدخل ضمن اختصاصات السلطة القضائية.
إنّ السؤال المطروح اليوم هو: كيف نُنشئ نظامًا سياسيًا فاعلًا؟
من المفترض أن يُبنى النظام السياسي اللبناني على قواعد سياسية، أمنية، إدارية، اقتصادية، مالية واجتماعية متينة ومتناسقة، إلى جانب تطوير الثقافة السياسية لدى معظم العاملين في الشأن العام، سواء كانوا مدنيين أم روحيين. ووفقًا لوجهة نظرنا في PEAC، فإنّ هذا الأمر يتطلّب تشكيل نظام سياسي قانوني محترف، بسلطات تنفيذية وقضائية وتشريعية فعّالة، عبر تحديد هيكلية واضحة للسلطات (الإجرائية – التشريعية – القضائية – الأمنية)، وتعزيز المشاركة السياسية المؤسسية، بما يؤدّي إلى تحقيق الحكم الرشيد القائم على أبعاد فكرية متحرّرة من الوقائع الظرفية الضاغطة.
ونغتنم الفرصة في مركز الأبحاث PEAC للإجابة عن السؤال المتكرّر: كيف نُنشئ نظامًا سياسيًا حرًّا، سيّدًا، محترفًا؟
تتمثّل الإجابة في ما يلي:
• امتلاك النظام السياسي سلطة عليا في ممارسة صلاحياته دون منازعة، بحيث تكون قوانينه وأنظمته وقراراته مُلزِمة للجميع من دون استثناء.
• خضوع علاقات عناصر النظام السياسي لقواعد قانونية ودستورية وسياسية واضحة، مع ضرورة تمتّعه بالاستقلال الذاتي في اتخاذ القرار.
• أن يكون أثر النظام السياسي في المجتمع أعمق وأقوى من تأثير أي نظام فرعي آخر.
نعم، نريد أن نُنشئ نظامًا سياسيًا حرًّا محترفًا، يُحسّن القدرات الوظيفية، ويستند إلى الخبرات والكفاءات، ويتّسع لثقافة سياسية متنوّرة واسعة الاطلاع.
هل ننجح أم نفشل؟ تبقى الإجابة مرهونة بالإرادة والإصرار، وعدم الخوف، لأنّنا وُلِدنا أحرارًا، ونعيش أحرارًا، نحترف الحقيقة ونقيم في ظلّها.

بسام ضو
كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC
