حول التقاط الأنفاس التي أمسكها العالم مؤخّرًا قبل أن يعود إلى إطلاقها، وفقًا لما هو شائع، نقول: ربّما كان إطلاقها مبكّرًا؛ ليس لأنّنا فقط نخالف العالم أجمع في تصديقه رواية ترامب حول الاتفاق الوشيك، أو الذي كان كذلك قبل الضربة الأخيرة للضاحية الجنوبيّة في لبنان، بل نضيف إلى مخالفتنا هذه إشاراتٍ اختفت تحت ركام الأحداث. فبالنسبة إلى الضربة، كانت، كسابقاتها، أميركيّةً بيدٍ إسرائيليّة، أراد منها ترامب فتح مَهْرَبٍ بعد أن اصطدم بحائط الغلق الإيراني، الذي سدّ طريق نصر ترامب، مع اعتياد إيران على حياة التضييق التي باتت تمنحها قوّة مواجهة الداخل بذريعة العقوبات والحرب، مضافًا إليها بروز إغلاق مضيق هرمز كسلاحٍ يتفوّق على السلاح النووي من حيث فاعليّة المنفعة.
اضطرّ ترامب إلى لعب لعبة جسّ النبض هذه، لكنّ اختيار مكان لعبها، لبنان بدلًا من إيران، كان محكومًا بإشاراتٍ تدلّ بصورةٍ واضحة على أنّ إيران تمتلك قوّةً لم تستطع الولايات المتّحدة تحديد قدرها حتّى اللحظة. لقد كانت حادثة سقوط الطائرة الأخيرة علامةً بارزةً على صحّة هذه التوقّعات؛ لهذا كان واجبًا نبش «عشّ الدبابير» هذا من مكانٍ بعيد، لكنّه متّصل.
أمّا عن فهم اندفاع ترامب وهو يؤكّد قرب إبرام اتفاق، فإنّه ينبغي لنا قياس هذا الاندفاع بموازين ملاحظتنا لحركةٍ مريبة تقوم على تغيير عصيّ اللعب بطريقةٍ بدت واضحةً بصراحة. كنّا قد نبّهنا إليها قبل مدّة ليست بالقليلة، وهي تدور حول تدخّلٍ سوري في لبنان، لكنّ فكرةً كهذه تستلزم إعدادًا دهليزيًّا في التخطيط والتنفيذ، ساحرًا في جلب الانزلاق بدلًا من الذهاب إليه؛ بمعنى: سلاسة حصول نتائجه.
حين ندقّق في مشهد «منع ترامب نتنياهو» من استهداف بيروت، يمكننا التقاط صورة ترامب المعنيّة بتغيير العصيّ هذه، لكن علينا الانتباه إلى ما قلناه سابقًا فيما يخصّ امتحانات الجدارة التي يقوم بها نتنياهو، في مقابل عدم ثقة ترامب بجدارتِه لتنفيذ المهمّة، بعد بيان سقوطه في اختباراتها. كان تهديد ترامب الأخير له بأنّه سيواجه إيران وحيدًا ضمن هذا السياق، لا وفقًا لما فَهِمَه الجميع. ومع مخالفتنا لأساس «المخاوف الإسرائيليّة» من إتاحة مساحةٍ آمنة لحزب الله في بيروت، تمكّنه من إعادة ترتيب أوراقه، نقول: إنّ حماية بيروت من قبل ترامب لم تكن كرامةً «لكحل العيون»، إنّها تعني، في خطّته، حصرًا لأماكن وجود حزب الله بنقطةٍ تمتدّ حتّى الحدود اللبنانيّة ـ السوريّة، التي كثُر الحديث مؤخّرًا عن تحشيداتٍ سوريّة عندها، في مواجهة مخاوف من ميليشياتٍ تابعةٍ لإيران في الجهة المقابلة.
خلطة ترامب هذه، في ذهنه طبعًا، تسمح بقيام قوّاتٍ سوريّة بعمليّةٍ أمنيّة، ليست اجتياحًا مُحرجًا لجيش، أو احتلالًا، أو حتّى دخولًا متّفقًا عليه يحتاج إلى إجراءاتٍ ستُواجَه بصدٍّ، حتّى من جهاتٍ غير مدعومة من إيران. لكنّ طبيعتنا العسكريّة التي تقرّر أنّ القيادة السوريّة، بحكم خبرتها في الميدان، تعي جيّدًا محاذير هذا السير، فهي لن تُقدِم على الانغماس في مزالق كهذه، وقد كرّرت في تصريحاتٍ لها هذا المعنى، وعكست ذلك في تعاملٍ مرنٍ يوفّق بين المواءمة وعدم الصدام مع أيّ طرف، لكنّنا نبدي قلقًا من تطوّر الأوضاع.
لم يكن سحب القوات الأميركيّة من سوريا عبثيًّا. لقد خُطِّط لهذا الانسحاب بهدوء لهذه الأوقات، وضمّ هذا التخطيط في ملفّاته تخوّفات إسرائيل من تمدّدٍ تركيّ على الأراضي السوريّة، وما رافقه من إغاراتٍ عليها. في سياقٍ كهذا، ينبغي على تركيا أردوغان ألّا تغترب عن مسار ترامب؛ بمعنى: عليها أن تدعم توجّهًا كهذا، وأن تتنصّل من أيّة التزامات مع إيران، وباكستان، ومصر، ودول الخليج، ومن سار معها.
في هذا المكان، تبدو جليّةً قيادة ترامب للعمليّة كاملة، بما فيها تبعيّة نتنياهو الذي ينفّذ من دون أن يُناقش، وإن تصرّف برعونة أحيانًا. لكن ما يبدو أكثر جلاءً أنّ تعامل تركيا مع ملفٍّ كهذا يتطلّب حذرًا من دول المنطقة، ولا سيّما مع فكرتنا حول مناورة تيّارات الإسلام السياسي، التي تبحث دومًا عن الغنائم بغضّ النظر عن ماهيّة المواقف.
بين لعب ترامب وأردوغان من جهة، وحذر سوريا من جهةٍ ثانية، هناك متاعب قادمة، لكنّها، بكلّ الأحوال، مغايرةٌ للمألوف.

د. راشد الشاشاني
أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.
