قبل لحظات من موعدها، تمّ إلغاء ضربةٍ كان يُفترض أنّها ستُنهي قدرة النظام الإيراني على أيّة مناورة، إن لم تُفضِ إلى إسقاطه. لم تأخذنا طباع القتال يوماً إلى التعامل مع هذه التهديدات بصورة جديّة؛ فنحن نعرف جيداً أنّ ضربةً في هذا التوقيت ـ تاليةً لأخرى لم تفعل شيئاً قبل يوم ـ لم تكن، لو تمّت، سوى رحلة «تكسير أحجار» عالية الكلفة، لا فائدة تُرجى منها، سيّما ونحن نراقب وزير حرب ترامب الذي كان يتحدث مع جنوده بلباس كابتن فريق رياضي، وبثقافة عسكرية أقل من ذلك بكثير.
أراد ترامب ـ كما أشرنا سابقاً ـ الهروب من مسؤوليته، وتحميلها إلى دول لا مصلحة لها في الحرب، سيّما مع فشل إقحام أوروبا في مسار كهذا، وعدم تقديم الصين وروسيا ما يفيد في هذا الشأن، وخيبة أمله من الأكراد.
بعد أن استهلك ترامب ـ بلا جدوى ـ فكرته حول تمييع جهة الوساطة، عبر توزيعها على مساحة عدة دول، وربطها بمصلحة هذه الدول في عدم استهداف أراضيها أو مصالحها، واللعب المتكرر على هذا الوتر حتى انقطاعه، أنجبت لوعته فكرة إذاعة أمر اتفاق وشيك. ويبدو أنّ هذه الفكرة استفادت من نظرية «الراعي الذي أطلق صفّارة الحذر من الذئب»، حين دلّلت على زعمها بمجموعة أخبار، مثل: «طائرات تغادر إلى جنيف من أجل ترتيبات لوجستية»، «ربما يحضر الرئيس، لكن فانس هو من سيحضر»، «تأكيدات الوسطاء بقبول الجانب الإيراني… إلخ».
وجد ترامب فيها فاعلية، سيّما مع يقين أهل «القرية» بصدق ترامب في كل مرة كان يصرخ فيها هرباً من الذئب، سيّما إذا ما عرفنا أن رئيس إحدى الدول سرعان ما يهبّ إلى إطلاق تصريحات لا يعي تبعاتها على بلاده، لمجرد تعليقات في مواقع التواصل، فما بالكم بتغريدات رئيس أقوى دولة في العالم.
لماذا زجّ ترامب بفانس؟
تربّصاً بالضربة التي يتمنّاها ترامب ـ كما سبقت الإشارة ـ وتعقيداً في حلقات التواصل، بحيث يفصله عن الاتصال المباشر ويمنحه مرونة في التعامل، ترك ترامب الباب مفتوحاً لاتفاقٍ متوهَّم، قد يحصل بمفاجأة ما. فهو، إن وصل إلى حدّ التقاء فريقين، لن يتعدَّ مستوى إنتاجه مستوى مفاوضات باكستان، أمّا إن حصلت المفاجأة الكبرى وقبلت إيران بالاستسلام الذي عرضه ترامب على أنّه اتفاق، متوسّلةً بذلك شكلاً جديداً من المراوغة، فعندها يكون ترامب قد اتخذ احتياطاً: إمكانية ذهابه للتوقيع الذي يهواه، حين يرسم رقعة دفتره كاملة به قبل رفعه، كما كان يرفع شارات الفوز.
الأهم من ذلك: أنّه يمسك زمام الأمور بيده؛ فمن جهة تبقى فرصة إنجاز سلام بيده حصراً، ومن جهة ثانية يُلقي باللوم على جهات الوساطة، التي تحوّلت بشكلٍ انسيابي إلى طرفٍ يجب عليه تحمّل مسؤولية تعنّت إيران ودفع ثمن العملية كاملة.
في جانبٍ آخر، يخشى ترامب تفلّت الأمور في الصراع «الكرتوني» بين نتنياهو وأردوغان، سيّما مع تعقّد مشهد التدخل السوري في لبنان. ويخشى ترامب من تفلّت كهذا بوصفه نصراً محسوباً للديمقراطيين، وبخاصة أوباما، عقدة ترامب. لا يحبّذ ترامب التعامل مع نتنياهو إلا من زاوية خصومته مع أوباما، كما هو الحال مع أردوغان؛ لذلك أجاب ترامب بأنه لا يملك معلومات بهذا الخصوص، حين سُئل عن إمكانية نشوء حرب بين إسرائيل وتركيا.
ترامب يتعامل مع هؤلاء من أجل سواد أوباما، لا من أجل سواد عيونهم. ولهذا يحاول لعب ألاعيب تُبعده عن الحاجة إلى ضربات نارية فاشلة، عيّره بها أوباما حين قال إنه لم يضطر إلى قتل إنسان في سبيل إبرام الاتفاق مع إيران. لقد كان أوباما أكثر قدرة من ترامب على إدارة «المقالب»، ومع ذلك لم يتعامل مع إيران بهذه الطريقة.
ناهيك عن أنّ هذه الدول الوسيطة باتت تشكّل في مجموعها ثقلاً من حيث تحريك مواقفها، إذ باتت ترى في التناغم مع سياسات ترامب أمراً مكلفاً، ما جعلها تُخفّف من حدّة انخراطها مع إيران لصالح تفاهمها مع بعضها البعض. وكان من الطبيعي في واقعٍ كهذا إنشاء مصلحةٍ من اتجاه توسّطها ـ الذي سينتهي بالفشل ـ بعد أن تتضارب المصالح التي تمكّن ترامب من الاستفراد بها كلّاً على حدة.

د. راشد الشاشاني
أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.
