ترامب في الرمال الإيرانية المتحرّكة: حرب استنزاف الوقت والهيبة

حتى هذه اللحظة، لم يتمكّن ترامب من توجيه ضربة قاضية، ولا حتى مؤثّرة، في حربه مع إيران. وهو لا يزال يخشى تهوّرًا آخر يُفلت الأمور من يده أكثر مما فعل التهوّر السابق. هذا القلق يدفع ترامب إلى محاولة تقليم أظافر إيران التي باتت تؤلمه كثيرًا.

تختلف هذه الأظافر عن الأذرع؛ فهي تلك التي نبتت حديثًا بعد الحرب، ومن بينها استهداف دول الجوار، وتوريط إسرائيل في حرب تضطر الولايات المتحدة معها إلى الانزلاق في مهاوي السير خلف كمائن إيران، والتهديد بإغلاق مضيق باب المندب، وفتح جبهات تفوق قدرة الولايات المتحدة على السيطرة عليها. ومن بينها أيضًا مستنقع مضيق هرمز، الذي بات حصاره مكلفًا لترامب أكثر من إغلاق إيران له، فيما تلعب طهران معه لعبة «نزف الوقت وهدر الهيبة».

وجد ترامب نفسه مضطرًا، أمام فشل كل ضرباته، إلى البحث عن ضربة جديدة، على الرغم من أن الحاجة إليها يُفترض أنها انتهت منذ الأيام الأولى للحرب، ولا سيما أنه يؤكد تدمير القوة الإيرانية بالكامل، ومعها مفاعلاتها النووية. لذلك، عليه أن يوجّه ضربة تمكّنه من تبرير فشله، وفي الوقت نفسه تُبعده عن مغامرة برية، بل حتى عن مغامرة جوية تتطلّب الاقتراب من نقاط الخطر، ولا سيما بعد إسقاط إيران طائرات أميركية. والأهم من ذلك، إبعاد إسرائيل عن الحرب قدر الإمكان.

أما قاذفة «بي–1»، التي أراد ترامب من خلالها إرهاب إيران ودفعها نحو الاستسلام، في إطار تأكيد جدية تهديده، فلن تضيف شيئًا إلى مهمة «تكسير الأحجار» التي يقودها من خلال مغامراته العشوائية.

وبذلك، يكون ترامب قد أحرق آخر أوراق قوته، وبات عليه أن يجد طريقًا جديدًا للتهديد. ومن الخيارات المطروحة فكرة التدخل السوري، التي قد يحضّر لها عبر أكراد إيران في حال مماطلة سوريا، فضلًا عن اللعب على طريق التواصل مع حزب الله. وهذه هي المخاوف نفسها التي زرعها في رئيس الوزراء العراقي، الذي راح يلتقط أنفاسه في إيران قبل التصادم مع أذرعها. وقد تكون هذه العناصر ذات جدوى في قلب الطاولة على من يحاول ابتزاز ترامب.

لقد أغرق ترامب نفسه أكثر في رمال إيران المتحرّكة. كان ينتظر أن تخشى إيران على منشآتها من ضربات هذه القاذفة، لكن يبدو أن الثابت هو فشل الاستخبارات الأميركية، مرة أخرى، في تحديد الأهداف الدقيقة، بعدما قادتها إيران نحو تركيز الاهتمام على جبل الفأس، وفكرة قطع سكك الحديد وطرق الإمداد، وهي خطوات لم تغيّر شيئًا في معادلة الحرب.

والثابت أن إيران تمتلك من مخزون الأسرار ما يمكّنها من اللعب بأعصاب ترامب ونتنياهو معًا؛ وهي أسرار غفلت عنها أجهزتهما الاستخبارية، بل وغفلت عنها أجهزة أخرى أيضًا، وهذا أكثر ما يقلقهما.

مقالات الكاتب

د. راشد الشاشاني

أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.