يُعد آدم سميث الأب المؤسس للاقتصاد الحديث. فقد بيّن في كتابه “بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم” أن مفهوم “اليد الخفية” كان في جوهره دعوة إلى الحد من تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية. غير أن ما يُغفل في كثير من الأحيان هو أنه، على الرغم من دفاعه عن محدودية دور الحكومة، كان يرى أن الدولة عنصرٌ أساسي في تحقيق ثروة الأمم، بقدر ما تكون قادرة على حماية الأمة من جشع الأمم الأخرى، وبذلك تؤمّن الأساس الذي يقوم عليه السوق الحر وتدعمه.
كما رأى – أي سميث – أن الدور الجوهري للحكومة، من الناحية الاقتصادية، يتمثل في امتلاك قوة عسكرية دائمة وقوية، إذ إن الاقتصاد لا يستطيع البقاء من دونها. ومن هنا أدرك العلاقة الجوهرية بين القوة الاقتصادية والقوة العسكرية، وبالتالي العلاقة الوثيقة بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد. وفي هذا الحيز الفكري، تصبح الاقتصاديات الجيوسياسية منهجية لفهم مجمل الحالة الإنسانية.
فالاقتصاد والمؤسسة العسكرية يختلفان في طبيعتهما، إلا أنهما مترابطان على نحو لا يمكن فصله؛ إذ يعتمد كل منهما على الآخر ويدعمه. فامتلاك قوة عسكرية يعني تحقيق قدر كافٍ من النجاح الاقتصادي يسمح ببناء جيش قوي، بينما يتطلب امتلاك قوة اقتصادية وجود جيش قادر على ردع أولئك الذين يطمعون في ثروة الأمة. فالدولة الغنية ولكن الضعيفة تُعد الأكثر عرضة لافتراس الدول الطامعة، في حين أن الدولة القوية ولكن الفقيرة تبقى معرضة للاضطرابات والانقسامات الداخلية.
وكوننا نعيش في عالم تحكمه المخاوف والمصالح والجشع، فإن أي ضعف في أحد هذين البعدين من أبعاد القوة الوطنية قد يأتي بعواقب كارثية. لذلك، ينبغي للنظام السياسي الداخلي لأي دولة أن يحقق توازنًا بين القوة الاقتصادية والقوة العسكرية، استنادًا إلى نقاط القوة والضعف النسبية لدى الدول الأخرى. وهناك، بطبيعة الحال، أبعاد أخرى للقوة، إلا أن هذه هي الطبيعة الأساسية للجغرافيا السياسية.
غير أن الاقتصاديات الجيوسياسية تختلف عن الجغرافيا السياسية. فبدلًا من أن تكون دراسة للقوة الجيوسياسية بحد ذاتها، تستخدم الاقتصاديات الجيوسياسية الجغرافيا السياسية باعتبارها عدسة تُستقرأ من خلالها آثار التفاعلات الجيوسياسية في الاقتصادات الوطنية. فإذا كانت الجغرافيا السياسية تنظر إلى مجمل قوة الدولة ومصالحها، فإن الاقتصاديات الجيوسياسية تنظر إلى الاقتصاد من خلال المنظور الجيوسياسي، بما يتيح فهمًا أكثر تفصيلًا ليس فقط لثروة الأمم، بل أيضًا للقوى الجيوسياسية المحيطة بالدولة، والتي تشكل في نهاية المطاف الضامن الحقيقي لحماية تلك الثروة.
لنأخذ مثالًا على ذلك: فالولايات المتحدة والصين تخوضان اليوم مواجهة ذات أبعاد عسكرية واقتصادية في آن واحد، بحيث تُعرَّف قوة كل منهما في ضوء قوة الأخرى. وهذه المواجهة قادرة على التأثير في اقتصاد كل طرف، وبالتالي في عناصر قوته الشاملة.
وهنا تبرز مفارقة لافتة؛ فالجيش لا يستطيع أداء وظيفته إلا إذا كان جنوده مستعدين للتضحية بحياتهم دفاعًا عن الوطن وثروته، وفي المقابل، لا يمكن لأي دولة أن تبلغ مستوى الثراء من دون امتلاك قوة عسكرية قوية. فاليد الخفية تقود إلى تحقيق الثروة، لكن الحفاظ على هذه الثروة يعتمد، في نهاية المطاف، على استعداد آخرين للتخلي عن حياتهم وما فيها من متع. لقد أدرك آدم سميث، والحال كذلك، تعقيد الحالة الإنسانية وما تنطوي عليه من توتر دائم بين الازدهار الاقتصادي ومتطلبات الأمن والدفاع.
ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / جورج فريدمان

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
