عند النظر في الأوضاع الراهنة في إيران، نلحظ أن أبرز ملامحها يتمثّل في تركيزٍ لافت على القمع المفرط الذي يمارسه النظام الإيراني في الداخل، بالتوازي مع حذر شديد وغير مسبوق في تنفيذ أنشطة وعمليات إرهابية خارج حدود إيران. غير أن هذا لا يعني إطلاقًا تخلي النظام عن الإرهاب، بل إن أوضاعه الصعبة، وعزلته الدولية المتزايدة، وخشيته من عواقب قد تكون كارثية في حال انكشاف تورطه، دفعته ــ على ما يبدو ــ إلى ما يمكن وصفه بـ “تجميدٍ مؤقت لنشاطاته الإرهابية”.
إن تراجع الدور الإقليمي للنظام، وتشديد الضغوط والخناق الدولي عليه، ولا سيما بعد صدور عدد من القرارات النوعية بحقه، وفي مقدّمها القرار رقم 72 المتعلق بإدانة انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، والصادر عن لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، والذي اعترف بارتكاب النظام الإيراني مجزرة السجناء السياسيين عام 1988، كل ذلك وضع موقع النظام ومكانته على الساحة الدولية على المحك. وهو ما أجبره على وقف نشاطاته الإرهابية أو تجميدها مؤقتًا، في وقتٍ ركّز فيه جلّ اهتمامه على تكثيف القمع الداخلي، خوفًا من تداعيات الحصيلة السلبية لتدخلاته الإقليمية، وكذلك في سعيه الحثيث إلى حيازة السلاح النووي.
غير أنّ التأمل المتعمّق في مسألة ممارسة النظام الإيراني للإرهاب، وفي نشاطاته المقوّضة للأمن والاستقرار إقليميًا ودوليًا، يكشف عن علاقة جدلية واضحة مع السياسة الغربية القائمة على الاسترضاء، والتي دأب النظام على استغلالها على مستويين: الأول، الإيحاء للشعب الإيراني بأن المجتمع الدولي يعترف به رسميًا كأمرٍ واقع. والثاني، استغلال أي انفتاح دولي عليه لتعزيز وترسيخ تدخلاته في المنطقة من جهة، وتنشيط عملياته الإرهابية من جهة أخرى، فضلًا عن استثماره لمناطق التوتر بما يخدم تحقيق أهدافه الاستراتيجية.
وتتركّز جهود النظام ومساعيه الحالية على الصعيد الدولي في العمل على إعادة تنشيط سياسة الاسترضاء، التي تمرّ بمرحلة تراجع وضمور، إدراكًا منه بأنه من دون هذه السياسة لن يكون قادرًا على استئناف نشاطاته الإرهابية وأعماله المزعزعة للأمن والاستقرار. وهذه حقيقة باتت تفرض نفسها بقوة، ولم يعد من الممكن تجاهلها، ولا سيما أن المراحل السابقة تشهد عليها بوضوح لا لبس فيه.
لقد أثبتت سياسة الاسترضاء والمهادنة ليس فشلها فحسب، بل كونها سياسة ضارة تخدم سياسات وتوجهات النظام الإيراني في دعم الإرهاب الذي يمارسه، وكذلك في تنفيذ نشاطاته المشبوهة داخل دول المنطقة، والتي يسعى من خلالها إلى تقويض الأمن والاستقرار. ومن هنا، ليس مستغربًا أن تتصاعد أصوات سياسية أوروبية مناهضة لهذه السياسة، مطالبةً بإعادة النظر فيها وتغييرها جذريًا.
وفي هذا السياق، وبالتزامن مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان، شهد مقر البرلمان الأوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل، يوم الأربعاء 10 ديسمبر 2025، مؤتمرًا دوليًا رفيع المستوى تحت عنوان: «إيران: قمع في الداخل وتصدير للإرهاب»، بحضور حشد كبير من النواب الأوروبيين، ورؤساء وزراء سابقين، وشخصيات سياسية وحقوقية بارزة. وقد سلّط المؤتمر الضوء على السجل المروّع للنظام الإيراني في انتهاكات حقوق الإنسان، وتصاعد وتيرة الإعدامات، وفشل سياسات المهادنة الغربية.
غير أن اللافت في هذا المؤتمر كان الإجماع السياسي النادر بين مختلف التيارات السياسية الأوروبية على ضرورة تغيير الاستراتيجية المتبعة تجاه طهران. وركّز المتحدثون على إخفاق الدبلوماسية التقليدية، وضرورة دعم البديل الديمقراطي.
وقد افتتح المؤتمر النائب ميلان زفر، الرئيس المشارك لمجموعة أصدقاء إيران الحرة، مؤكدًا أن النظام الإيراني بات مصدرًا رئيسيًا لعدم الاستقرار العالمي، لا الإقليمي فحسب. وقال زفر: “منذ انتخابي للمرة الأولى عام 2009، دعمتُ المعارضة الإيرانية وحركة السيدة رجوي. لقد تغيّر الكثير، لكن وحشية النظام بقيت على حالها.” ودعا زفر أوروبا إلى التخلي عن أنماط “المهادنة” التي تراهن عبثًا على اعتدال النظام، مشددًا على أن الشعب الإيراني يستحق سياسة أوروبية أكثر مبدئية وجدية.
وجاء في كلمة السيدة مريم رجوي، المتحدثة الرئيسية في هذا المؤتمر الدولي بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، ما يلي: “لقد انتفضنا من أجل حقوق الإنسان، ومن أجل الحرية والديمقراطية، ومن أجل سيادة الشعب في جمهورية تقوم على انتخابات حرة وتعددية؛ جمهورية تكفل حرية التعبير، وحرية الأحزاب، وحرية التجمع، وحرية الصحافة، وحرية الفضاء الافتراضي. جمهورية تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة، وتُصان فيها الحريات والحقوق الفردية والاجتماعية وفقًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان”.
وتابعت: “تؤكد المقاومة الإيرانية ضرورة إنهاء كل أشكال الإفلات من العقاب بحق المسؤولين عن مجازر السجناء السياسيين، وحظر التعذيب، وإلغاء عقوبة الإعدام. كما نطالب بقضاء مستقل ونظام عدلي يستند إلى المعايير الدولية والعالمية، القائمة على مبدأ افتراض البراءة، وحق الدفاع، وحق التقاضي، وإلغاء القوانين اللاإنسانية لنظام ولاية الفقيه.”

نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
