مخاض ولادة إقليم جديد

منذ السبعينيات لغاية اليوم، شهدت منطقة الشرق الأوسط مُنعطفات كبيرة، يمكن اعتبارها مخاضات ولادة أنهت ظروفاً سبقتها، وأوجدت ظروفاً تَلَتها.

عبر الزمن، شهدت مناطق كثيرة في العالم مُنعطفات أنهت ظروفاً وأوجدت أخرى، لكنّ الفارق بين مُنعطفات الشرق ومُنعطفات الغرب، أن الأخيرة لم يكن العُنف سِمَتَها الوحيدة.

صحيحٌ أنّ الحروب في أصقاع أوروبا وأميركا شكّلت بعضَ المُنعطفات، إلا أنّنا نجد هناك مراحِلَ تنويرية وثورات صناعية ونهضات حضارية، ساهمت في لعب دور المُنعطفات.

تكاثرت الحروب في الشرق الأوسط حتى بدت ذات الرقعة الجغرافية وكأنها أقاليم تولد مِن جديد، يتغيَّر فيها كلّ شيء، الظروف والأدوار والأطراف، حيناً بعد حين.

حرب الخليج الأولى

عقب نجاح الثورة الإسلامية في إيران وسقوط الشاه، نشبت حرب الخليج الأولى التي استمرّت ثمان سنوات، حتى صدور قرار مجلس الأمن 598 في سنة 1988. وطيلة سنوات تلك الحرب، قدَّمت الولايات المتحدة دعماً سرّياً للعراق، وقد كان “صدام حسين” آنذاك بنظر حكام الخليج هو “فارس العرب” و”حارس البوابة الشرقية”.

حرب الخليج الثانية

في تمّوز 1990 تغيَّرت الظروف والأدوار والأطراف، ومع توتّر العلاقات بين العراق والكويت، التقت سفيرة الولايات المتحدة في بغداد “أبريل غلاسبي” بالرئيس العراقي “صدّام حسين” وقالت له: «ليس لدى الولايات المتحدة أي رأي حول الصراعات العربية العربية مثل خلافاتِكَ الحدودية مع الكويت». وفي وقت سابق أخبرت الخارجية الأميركية السلطة في العراق بأن ليس لواشنطن أي التزامات دفاعية أو أمنية خاصّة تجاه الكويت(1).

الفِتنَة أشدّ مِنَ القتل، وقد فَهِمَ صدام حسين أن هناك ضوءاً أخضر أميركيّاً كي يجتاح ما تضمره السردية العراقية القديمة، مِن أن الكويت هي المحافظة العراقية رقم 19، فراودتهُ نفسه، وهمَّ باجتياح الكويت.

وجدت الولايات المتحدة ضالّتها للحضور عسكريّاً في منطقة الخليج، ليس فقط بمباركة الحكومات الخليجية، بل وبمشاركات عسكرية- ولو رمزية- مِن عدّة دول عربية، حتى أن الجيش السوري شارك مع الجيش الأميركي في معركة “عاصفة الصحراء”، التي أفضت إلى خروج جيش العراق مِن الكويت. وعلى خلفية تلك المشاركة، لم تَجِد الولايات المتحدة ضيراً في أن تكافئ النظام السوري بتسليمه الملف اللبناني. الأمر الذي تقبّله المجتمع اللبناني تزامناً مع تلميع صورة رفيق الحريري بالسخاء المادي، وربط الإعمار بشخصه(2)، ليترأس سلسلة حكومات لبنانية، كان يفصّلها رستم غزالي في عنجر، ويلبسها رفيق الحريري في بيروت.

حرب الخليج الثالثة

بذريعتين كاذبتين وخارج الشرعية الدولية(3)، شنّت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا حرباً على العراق سنة 2003 عُرفت باسم “معركة الحَواسِم”، ولم تجد الولايات المتحدة ضيراً في أن تملأ إيران الفراغ الذي نتج عن انهيار الجيش العراقي، وخروج العِراق مِن المُعادلة.

عقب حرب الخليج الثالثة، لم تستقِرّ أوضاع الشرق الأوسط لأكثر مِن عامَين. لبنانيّاً، لم يكن تبدّل الحال جذريّاً، إذ انسحب الجيش السوري مِن لبنان عقب اغتيال رفيق الحريري سنة 2005، ليتعاظم دور إيران، في لبنان كما في سائر إقليم الشرق الأوسط، حتى سنة 2025.

طوفان الأقصى وتشكيل نظام إقليمي جديد

ظلَّ النظام الإقليمي منذ سنة 2003 ولغاية 2025 تحت تأثير “الكباش” بين محور المقاومة مِن جهة، ومحور الاعتدال العربي مِن جهة ثانية. ثمّ جاء طوفان الأقصى فجر 7 تسرين أوَّل 2023 ليفرض تغييرات هائلة.

برأي الخبراء الاستراتيجيين: “بين نظام إقليمي ينازع وآخر يتشكل تنطلق الوحوش”؛ وهذا مِصداق لقول شعبي لبناني: “عند تغيير الدول احفظ راسك”. ويبدو أن الوحش الجديد الذي انطلق هذه المرّة هو التطور التكنولوجي والاستخباري الذي بدا واضحاً عقب طوفان الأقصى، وأصاب محور المقاومة في مقتل.

على مستوى الإقليم، اختفت فجأة الميليشيات الموالية لإيران، وفي سوريا أسقِطَ نظام الأسد، وفي لبنان سُحِقَت البنية التحتية لحزب الله عديداً وعِتاداً.

ما لم تفطن له أميركا وإسرائيل

رسَت الأمور على ما عُرِفَ بخطة ترامب؛ وبعيداً عن تفاصيل تلك الخطة وضبابيّتها، إلا أنها تظهِر رجحان كفّة مشروع إسرائيل الكبرى، ذلك أن سلسلة التراجع فيما خصّ حلّ الدولتين بلغ أقصاه.

في عرض كرونولوجيٍّ سريع لحلّ الدولتين نلاحظ ما يلي: في أوسلو، كان الكلام عن مرحلة انتقالية مِن خمس سنوات تنتهي بولادة دولة فلسطينية. وقبل طوفان الأقصى، كان الكلام عن “أفق لِدَولة فلسطينية”. وبعد طوفان الأقصى، “حوار فلسطيني-إسرائيلي” بحسب خطة ترامب.

المستكبرون ومهزومو الإرادة لا يلاحظون انقلاب السِحر على الساحر، فمشروع إسرائيل الكبرى دخل في أتون لا خروج منه، وذلك للأسباب التالية: سابقاً، كانت المواجهات تحصل في المخيمات والقرى والمدن الفلسطينية، أما اليوم فقد تحولت رقعة الصراع إلى جامعات هارفرد وكولومبيا وستانفورد وييل، وإلى مدن سيدني وبرلين ولندن وروما ومدريد وباريس وبروكسل.

ختامها مِسك… والمِسك نجده في تحوّل طبيعة الصراع بشكل جذري، حيث أن الصراع يتجه إلى مشابهة الوضع في جنوب إفريقيا عشية القضاء على نظام الفصل العنصري، فكما تحوّلت طبيعة الصراع هناك من “أبيض/أسود” إلى صراع حول القِيَمِ الإنسانية Valeurs humaines مِن عدالة وحرية وكرامة؛ كذلك تحوّلت طبيعة الصراع في فلسطين مِن “عربي/إسرائيلي” إلى صراع حول القيم الإنسانية آنفة الذكر، فباتت الفطرة البشرية على المِحَكّ، والاختبار الفلسطيني صار اختباراً للإنسانية أكثر مِن أي وقتٍ مضى.

(1) تقرير لـِ “ستيفن والت” و” جون ميرشايمر” في صحيفة فورين بوليسي، شباط 2003

(2) سادت قناعة لدى محبّي الحريري مفادها: “اشتغل محاسب بالسعودية والله وفّقو”!

(3) أكد ذلك “طوني بلير” في كتابه “الرحلة A Journey”، الصادر سنة 2010 

 

مقالات الكاتب

وليد المحب

باحث في عِلم السياسة ومؤسس جمعية "صون حق التعبير".