طرابلس… مدينة التاريخ يطاردها الانهيار وتضع الحكومة أمام الاختبار

لم تكن طرابلس يوماً مدينة هامشية في التاريخ اللبناني أو الإقليمي. فهي واحدة من أقدم مدن الساحل الشرقي للمتوسط، شكّلت عبر القرون بوابة الشمال اللبناني ومركزاً تجارياً وثقافياً بارزاً. من الفينيقيين إلى العصور الإسلامية والمملوكية والعثمانية، كانت طرابلس مدينة العلم والحرف والتجارة، وعقدة وصل بين الداخل السوري والبحر، وميناءً نشطاً يربط المشرق بالمتوسط.

غير أن هذه المدينة التي كانت يوماً قلب الاقتصاد الشمالي، تحوّلت تدريجياً إلى رمز للتهميش والإهمال، حتى أصبحت توصف اليوم بأنها أفقر مدينة على ضفاف المتوسط. ولم يعد هذا الوصف شعاراً سياسياً، بل واقعاً اجتماعياً قاسياً تعكسه الأرقام والوقائع اليومية.

مدينة الفقر المزمن

تشير تقديرات متداولة إلى أن أكثر من نصف سكان طرابلس يعيشون تحت خط الفقر، في ظل تراجع حاد في فرص العمل وغياب المشاريع الإنمائية الكبرى. وعلى مدى عقود، بقيت حصة المدينة من الاستثمارات العامة محدودة، رغم حاجتها المتزايدة إلى بنى تحتية وفرص اقتصادية تعيد التوازن الاجتماعي.

هذا الواقع جعل أحياء كاملة، مثل باب التبانة والقبة والأسواق القديمة، تعيش في ظروف سكنية شديدة الهشاشة، حيث تتكدس العائلات في مبانٍ قديمة ومتصدّعة، كثير منها لم يخضع لأي أعمال صيانة منذ عشرات السنين. وفي بيئة كهذه، لا تكون الكارثة مفاجئة، بل مؤجّلة فقط.

مبانٍ تتحول إلى مصائد موت

الأرقام المتعلقة بالمباني المهددة بالانهيار في طرابلس تكشف حجم الكارثة الاجتماعية الصامتة. فالتقديرات تتراوح بين مئات إلى آلاف المباني المصنفة خطرة، مع عشرات الأبنية المأهولة التي يُخشى سقوطها في أي لحظة.

هذه الأرقام لا تعني مجرد خلل عمراني، بل تعني أن آلاف العائلات تعيش يومياً تحت سقوف قد تتحول إلى ركام. وهو ما جسّدته مأساة انهيار مبنى في باب التبانة، حيث تحوّل المسكن إلى مقبرة جماعية تحت أنظار الدولة، في مشهد يلخّص عقوداً من الإهمال المتراكم.

فالمشكلة ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكمات طويلة: بلديات اكتفت بالإحصاءات دون تنفيذ خطط إنقاذ؛ حكومات تجاهلت التحذيرات؛ وسلطة تشريعية لم تحسم ملف الإيجارات القديمة، ما جعل كثيراً من الأبنية رهائن نزاعات قانونية تمنع الترميم.

وفي النهاية، كما في كل مرة، كان الفقير هو الضحية.

اختبار سياسي لحكومة نواف سلام

تأتي هذه المأساة في توقيت سياسي حساس بالنسبة لحكومة القاضي نواف سلام، التي تحاول تقديم نفسها كحكومة إصلاحات مالية ومؤسساتية، تسعى إلى استعادة الثقة الدولية، ومعالجة الفجوة المالية، وإطلاق مسار إنقاذ اقتصادي.

غير أن الكارثة في طرابلس تضع الحكومة أمام اختبار اجتماعي حقيقي. فالإصلاحات المالية، مهما كانت ضرورية، تبقى بلا معنى بالنسبة إلى عائلة تعيش تحت سقف مهدد بالسقوط، أو فقدت أبناءها تحت الركام.

المفارقة أن الحكومة تتحدث عن استعادة الثقة الخارجية، بينما الثقة الداخلية تتآكل مع كل كارثة اجتماعية غير محسوبة. فمدينة تعيش فيها غالبية السكان تحت خط الفقر، وتضم مئات المباني الآيلة للسقوط، لا يمكن التعامل مع أزماتها عبر خطابات إصلاحية عامة.

وهنا يكمن التحدي: إما أن تتحول طرابلس إلى نموذج لنجاح المعالجة الاجتماعية، أو إلى عنوان دائم لفشل الدولة في حماية مواطنيها.

ما المطلوب لإنقاذ طرابلس؟

إنقاذ طرابلس لا يحتاج إلى بيانات تعزية ولا زيارات بروتوكولية، بل إلى خطة طوارئ وطنية تقوم على خطوات واضحة:

  • إخلاء فوري للأبنية الأخطر مع تأمين مساكن بديلة مؤقتة للعائلات، كي لا يتحول الإخلاء إلى كارثة إنسانية جديدة.
  • صندوق وطني للترميم والإسكان بتمويل حكومي ودعم دولي، يخصص لإعادة تأهيل الأبنية في الأحياء الفقيرة.
  • حسم تشريعي لملف الإيجارات القديمة بصيغ متوازنة تسمح بترميم الأبنية وتحمي حقوق المستأجرين والمالكين معاً.
  • برنامج إنمائي خاص بالمدينة يركّز على تشغيل الشباب، وتنشيط المرفأ، وإحياء الأسواق القديمة كرافعة اقتصادية.
  • محاسبة المسؤولين عن الإهمال لأنه، ومن دون محاسبة، ستبقى كل خطة مجرد حبر على ورق.

الحاجة إلى قرار… لا إلى شفقة

طرابلس ليست مجرد مدينة منكوبة، بل مرآة لاختلالات الدولة اللبنانية كلها. كل مبنى ينهار فيها ليس حادثاً فردياً، بل نتيجة سياسات طويلة من الإهمال والتجاهل.

والسؤال اليوم لم يعد فقط: من المسؤول عن انهيار مبنى التبانة؟ بل: هل تتحول هذه المأساة إلى لحظة وعي سياسي واجتماعي تعيد طرابلس إلى موقعها الطبيعي، أم تبقى المدينة عنواناً دائماً للمآسي المؤجلة؟

طرابلس لا تحتاج شفقة… تحتاج قراراً يحمي أهلها، وسقفاً آمناً يحفظ كرامتهم.

مقالات الكاتب

د. محمد حلاوي

أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.