جاء قرار التمديد للمجلس النيابي لمدة سنتين اليوم الاثنين 9-3-2026 بموافقة 76 نائباً في لحظة هي من الأكثر خطورة في تاريخ لبنان الحديث. فالبلاد لا تواجه مجرد أزمة سياسية داخلية أو استحقاقاً دستورياً مؤجلاً، بل تقف على تخوم مرحلة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الحرب مع مشاريع إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة التمديد للمجلس النيابي لمدة سنتين كإجراء تقني فرضته الظروف الأمنية فحسب، بل كقرار سياسي يعكس إدراكاً عميقاً لدى القوى اللبنانية بأن البلاد دخلت مرحلة استثنائية تحتاج إلى قدر من الاستقرار المؤسساتي لمنع الانزلاق نحو الفوضى.
فالحرب الدائرة اليوم لا تحمل مخاطر عسكرية فقط، بل تفتح الباب أمام تحديات وجودية للبنان، تتراوح بين إطالة أمد الحرب واستمرار الاحتلال، وصولاً إلى احتمالات فرض تسويات غير عادلة، أو حتى الدفع نحو تغييرات في طبيعة الكيان اللبناني الذي نعرفه.
وبين هذه المخاطر المتعددة، يصبح التمديد للمجلس النيابي محاولة لخلق هامش زمني يسمح للدولة اللبنانية بإدارة مرحلة دقيقة قد تحدد مستقبل البلاد لسنوات طويلة.
لكن هذا الهامش الزمني لن يكون ذا قيمة إذا لم يُستثمر في تحصين الداخل اللبناني، وتعزيز مؤسسات الدولة، وإعادة ترتيب البيت الوطني بما يمنع تحويل تداعيات الحرب إلى أزمة وجودية تهدد استقرار لبنان ووحدته.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة سياسية واضحة تحدد أولاً المخاطر التي تواجه لبنان، وثانياً ما هو المطلوب من السلطات الدستورية اللبنانية لمواجهة هذه المرحلة المفصلية.
المخاطر والتحديات التي تواجه لبنان
- مخاطر التحولات الديموغرافية والنزوح الداخلي: الحرب وما رافقها من عمليات نزوح واسعة من المناطق الحدودية ومناطق المواجهة تحمل في طياتها مخاطر ديموغرافية حساسة داخل لبنان. فانتقال مجموعات سكانية كبيرة من مناطقها إلى مناطق لبنانية أخرى قد يخلق توترات اجتماعية وطائفية في حال طال أمد النزوح أو تعذر على السكان العودة إلى مناطقهم. التجربة اللبنانية خلال الحرب الأهلية أثبتت أن التغييرات الديموغرافية الناتجة عن الحروب قد تتحول إلى أزمات سياسية طويلة الأمد إذا لم تتم معالجتها ضمن إطار وطني جامع.
- مخاطر إطالة زمن الحرب: كلما طال أمد الحرب، ازداد حجم الاستنزاف الذي يتعرض له لبنان. فالبلاد تعاني أصلاً من أزمة اقتصادية ومالية عميقة، وأي مواجهة طويلة ستؤدي إلى تفاقم الانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات العامة والبنية التحتية كما ازدياد معدلات الفقر والهجرة. وهو ما قد يضعف قدرة المجتمع اللبناني على الصمود أمام الضغوط السياسية والأمنية.
- مخاطر استمرار الاحتلال أو فرض وقائع أمنية جديدة: إحدى المخاطر الأساسية تتمثل في احتمال أن تنتهي الحرب بفرض واقع أمني جديد على الحدود الجنوبية، سواء عبر استمرار وجود عسكري أجنبي أو عبر فرض مناطق عازلة داخل الأراضي اللبنانية. مثل هذه الوقائع، إن حدثت، ستشكل انتقاصاً مباشراً من السيادة اللبنانية، وستعيد البلاد إلى معادلات أمنية معقدة شهدها لبنان في مراحل سابقة من تاريخه.
- مخاطر فرض اتفاق سلام غير عادل في ظل الضغوط العسكرية والسياسية، قد يتعرض لبنان لمحاولات فرض تسويات أو اتفاقيات لا تراعي التوازنات الداخلية اللبنانية ولا تحفظ المصالح الوطنية للدولة. التاريخ يظهر أن الاتفاقيات التي تُفرض تحت ضغط الحروب غالباً ما تكون غير متوازنة، وقد تتحول لاحقاً إلى مصدر توتر داخلي بدل أن تكون مدخلاً للاستقرار.
- مخاطر تغيير طبيعة الكيان اللبناني: يبقى الخطر الأكبر متمثلاً في احتمال الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الكيان اللبناني نفسه عرضة لإعادة صياغة أو تعديل عميق في بنيته السياسية. قد يحصل ذلك عبر: فرض ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، تعديل عميق في النظام السياسي، أو إعادة رسم التوازنات الداخلية بطريقة غير واضحة المعالم. وهو ما قد يفتح الباب أمام مستقبل غامض للدولة اللبنانية.
ما هو المطلوب من السلطات اللبنانية؟
في مواجهة هذه التحديات، تقع مسؤولية كبيرة على عاتق السلطات الدستورية اللبنانية في إدارة هذه المرحلة الدقيقة بحكمة سياسية ورؤية وطنية واضحة. وبشكل خاص السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية
السلطة التنفيذية: إدارة الدولة في زمن الأزمات
تقع مسؤولية إدارة شؤون البلاد على الحكومة برئاسة نواف سلام التي تواجه تحديات كبيرة في ظل الظروف الراهنة.
وتتمثل أبرز مهام الحكومة في:
- العمل الفوري على زيادة الاتصالات الدولية اللازمة لوقف الحرب على لبنان
- الوصول لاتفاق لوقف النار لا يشبه الاتفاق السابق ولا يحتمل التحريف والتأويل
- العمل الفوري والسريع مع قيادة الجيش لتنفيذ حصرية السلاح وبأسرع وقت ممكن
- إدارة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب
- تعزيز حضور الدولة في المناطق المتضررة
- إعادة بناء الثقة الداخلية والخارجية بالدولة اللبنانية
كما يبقى احتمال إجراء تعديل وزاري وارداً إذا اقتضت المرحلة ذلك، بما يسمح بتعزيز القدرة الحكومية على إدارة الأزمة.
السلطة التشريعية: إدارة المرحلة الانتقالية
أما المجلس النيابي الذي مُدّد له لمدة سنتين، فتقع على عاتقه مسؤولية أساسية في إدارة المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد.
وفق القراءة السياسية المتداولة، فإن التمديد لسنتين يشكل عملياً إطاراً زمنياً لمرحلة انتقالية ذات مرحلتين.
- السنة الأولى: تركز على تثبيت الاستقرار الداخلي وإعادة ترتيب البيت اللبناني سياسياً وأمنياً، وفي مقدمة ذلك تعزيز سلطة الدولة ومؤسساتها الشرعية ومعالجة القضايا الحساسة مثل مسألة حصرية السلاح بيد الدولة.
- السنة الثانية: تخصص لإطلاق عملية إصلاح سياسي تبدأ بإقرار قانون انتخاب جديد يعالج الثغرات التي ظهرت في القانون الحالي، ويمهد لانتخابات نيابية تعكس التوازنات السياسية التي ستتبلور بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.
لبنان.. ومعركة حماية الدولة
إن التحدي الذي يواجه لبنان اليوم يتجاوز مسألة الحرب نفسها. فالمسألة الأساسية تتعلق بقدرة الدولة اللبنانية على حماية نفسها والحفاظ على كيانها واستقرارها في ظل تحولات إقليمية عميقة.
فالرهان الحقيقي في هذه المرحلة لا يكمن فقط في إنهاء الحرب، بل في منع تداعياتها من التحول إلى تغييرات دائمة في بنية الدولة اللبنانية أو في طبيعة نظامها السياسي.
وفي زمن التحولات الكبرى، يبقى العامل الحاسم هو قدرة اللبنانيين على الحفاظ على دولتهم ومؤسساتهم، ومنع أي مشروع خارجي أو داخلي من دفع البلاد نحو مستقبل مجهول المعالم.

د. محمد حلاوي
أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.
