يبدو، من حيث لا يجرؤ كثيرون على التصريح، أن المتهم الرئيس في قضية «أبو عمر» ليس شخصًا بعينه، بل الانتخابات نفسها: تلك التي قد تحصل، وقد لا تحصل، لكنها باتت الحاضر الغائب في كل الحسابات. لقد اتسع خيال الكتّاب والصحفيين والمحللين إلى حدٍّ بالغ، فحوّلوا «أبو عمر» من مجرد عامل حدادة إلى شخصية شبه خيالية، تُسقَط عليها الأدوار وتُحمَّل ما لا يحتمل من الرموز والدلالات.
لسنا هنا بصدد الغوص في أحاييل الساسة وأحابيلهم، بقدر ما نحن أمام واجب المحلل الرصين: أن ينظر بعين ثاقبة إلى النتائج المترتبة على قضية أبو عمر، لا إلى تفاصيلها المسرحية. والواضح، بما لا يدع مجالًا للشك، أن القضية جرى ابتكارها وصياغتها ضمن إطار يستهدف إعادة مركزة القرار السني في لبنان، في أعقاب التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا: تغيير النظام، وصول أحمد الشرع، وصعود الجماعات الإسلامية والإخوان إلى موقع الرئاسة، بما يستدعي – وفق التحليل المنطقي البارد – إعادة ترتيب الواقع الداخلي اللبناني، ولا سيما السني منه، بعد انكفاء الدور الشيعي الذي كان مهيمنًا سابقًا على قرارات الدولة والقرار السياسي عمومًا.
اللافت في هذا السياق أن الاتهامات أخذت تتوسع وتتمدّد، لتطال جهات وجماعات وشخصيات ورؤساء حكومات، يُشار إليهم تارةً بالحرف الأول من أسمائهم. مرة يبدأ الحرف الأوَّل للمتَّهم الافتراضي بـ(فـ)، ثم بحرف (ن)، ثم تنسحب الشبهات لتطال نوابًا وشخصيات مؤثِّرة، وخلفهم جهات من طوائف أخرى: الرمز (أ)، ثم الرمز (هـ)، ثمَّ (س) وما تيسّر من الأبجدية السياسية، قبل أن تختلط الأمور في محاولة تمييع واضحة ومقصودة.
لا يخفى على أحد أن هذا المسار ليس معزولًا عمّا يجري في الداخل اللبناني: قضية السلاح واحتكار قرار الحرب والسلم، قضية المودعين وحقوقهم المنهوبة، الإصلاح الاقتصادي المؤجّل، والدولة المعلّقة بين الانهيار والإدارة المؤقتة. لكن ما فاته كثيرون هو الضرورة الحتمية لكشف ارتباطات ومرجعيات كل من زُجّ بأسمائهم في هذه القضية: ارتباطاتهم الإقليمية والدولية، وشبكات نفوذهم العابرة للحدود.
هنا تسقط الحجة القائلة إن طرفًا ما «مرتبط بالخارج» فيما طرف آخر «وطني خالص». ففي لبنان، يجاهر الجميع بارتباطاته الخارجية، بل يتباهى بها، في سياق سياسي أعوج يقوم على منطق مفاده: الارتماء في أحضان الخارج مفخرة وأداة ضغط على الخصوم. لديك مرجعيتك الدولية والعربية، ولي مرجعيتي. لديك حاضنتك الدينية في الفاتيكان، ولي حاضنتي في المملكة ومصر والأزهر…
بهذا المعنى يقال لنا، أنَّه إذا كان خلفك دولة كبرى، فخلفي دولة كبرى. في النموذج اللبناني، تُستخدم المرجعيات الدولية والدينية والإقليمية كأدوات توازن داخلي: الفاتيكان مقابل الأزهر، المملكة ومصر مقابل عواصم أخرى، تركيا مقابل إيران، روسيا مقابل أميركا، وأيَّة دولة كبرى في مواجهة دولة كبرى. هذا النمط من «السيادة التعاقدية» يحوّل المفهوم ذاته إلى وظيفة ظرفية تخضع لأجندات الرعاة لا لمصالح الدولة.
هذا السياق التاريخي الذي يُمدَح أحيانًا هو، في جوهره، عار كامل على كل «السياديين»، والسياديون في لبنان – بلا استثناء – هم جميع القوى السياسية التي تفهم السيادة وفق أجندات راعيها ومرشدها وملهمها.
ليس غريبًا، في هذا الإطار، أن تشكّل قضية أبو عمر الإطار الجامع لانفجار الفجوة والانقسام داخل ما سُمّي «تيار الاعتدال الوطني»: ذلك الخليط العجائبي الذي سعى المنضوون فيه، تحت ظل أمين سرّ – نائب سابق – يدوزن سياساته، إلى تقديم أنفسهم كرافعة سياسية. لكنه فشل فشلًا نظريًا وعمليًا وسياسيًا وشعبيًا، رغم كل ما قيل عن أن الأب الروحي له، أو حاضنته، تمثّلت بالرئيس سعد الحريري، الذي أبقاه في حالة جهوزية واختبار دائمين، بانتظار أن يُسمح له بالعودة إلى الحياة السياسية من بوابة «الاعتدال» – تلك الفكرة والشعار الحريري الذهبي.
ولا يمكن فصل هذا كله عن الإطار الأبعد: الصراع السعودي – الإماراتي – التركي، الذي يشكّل إحدى المرجعيات الكبرى في العالم العربي، والذي أدّت تناقضاته إلى صراعات مفتوحة في اليمن وسوريا وبلدان أخرى. ولن يكون لبنان، مهما قيل، بمنأى عن تداعيات هذا الصراع. ضمن هذا الإطار، تُقرأ القضية باعتبارها آلية ضغط وإعادة تموضع، لا باعتبارها ملفًا أمنيًا أو قضائيًا صرفًا.
إن أحد المؤشرات الدالة على الطابع الوظيفي للقضية يتمثل في التوسّع المقصود في دائرة الاتهامات، بحيث لم تعد محصورة بجهة أو شخصية محددة، بل يجرى تداول أسماء مشفّرة، ثم تُسحب وتُستبدل، في نمط يهدف إلى تفكيك مركز الاتهام وإغراق الرأي العام في ضبابية مدروسة. هذه الاستراتيجية لا تُنتج حقيقة بقدر ما تُنتج تشويشًا سياسيًا يسمح بإعادة توزيع الأدوار وتصفية حسابات داخلية تحت غطاء قضية جامعة.
الأهم أن نتذكر أن قضية أبو عمر فتحت الباب مشرعًا أمام إطلاق الانتخابات مبكرًا في الساحة السنية، بدءًا من عكار، حيث أجرى راعي أبو عمر حملات إنزال لأسماء ذات تمويل مجهول المصدر، نجحت في نسج تحالفات مع دوائر في السلطة، ومع الرئاستين الأولى والثانية، ومع دوائر أمنية. وربما كانت من بين فوالقها، أو بدايات تفجّرها، قضية العميد المتقاعد حمود. وقد لا تنتهي هذه المسارات إلا بإعادة مركز القرار السياسي للطائفة، ولا سيما مرجعيتها الدينية، قبل أن تنسحب الأمور إلى جبهاتها السياسية: من سيحظى بالتفويض لإدارة شؤونها، ومن سيمسك بقرارها ضمن سياق ضبط حازم.
وهنا، وبسبب أبو عمر، قد تذوب وتنتهي أدوار شخصيات كانت تراهن على موقع رئاسة الحكومة. وإذا كانت الأطراف الطائفية الأخرى تبحث عن «أبو عمرها» الخاص، وتعيد دوزنة أوضاعها وترميم بيتها الداخلي – درزيًا ومسيحيًا بالاستناد إلى الاستثمار في زيارة البابا، وشيعيًا بانتظار مآلات الأمور في طهران – فإن المؤكد أن أبو عمر أطاح، وسيطيح، بالتركيبة السياسية في البلاد.
لقد نجح هذا الملف في تنحية شخصيات اتسم سلوكها السياسي بقلة الحزم، والوسطية المزعومة، وتدوير الزوايا، والتردد الدائم تحت ذريعة عدم الانزلاق إلى حرب أهلية. ولن تسلم منه جهات ارتبطت، ولا تزال، هنا وهناك، وتكابر وتفاخر بارتباطاتها.
في المقابل، لا يظننّ أحد أن التلاعب والمناورة وعدم حسم الخيارات ما زال ممكنًا. نحن أمام تغيير عميق في بنية المؤسسات الدولية، ونمط من العلاقات الدولية أخطر مما كان عليه قبل الحرب العالمية الثانية. إنه نهج دولي لا يأخذ بالاعتبار «الاستذكار اللبناني» ولا «الشطارة المزعومة». قريبًا، لن يكون هناك لون رمادي: إما أبيض وإما أسود.
في هذا السياق، تصبح القدرة على حسم الخيارات شرطًا للبقاء السياسي. ومع تصاعد الاستقطاب الدولي، يتقلص الهامش الرمادي: إما تموضع واضح، أو خروج تدريجي من المعادلة.
ختامًا، ليست قضية «أبو عمر» حدثًا عابرًا، بل متغيّرًا كاشفًا لمرحلة انتقالية يعيشها النظام السياسي اللبناني. إنها تعبير عن صراع على إعادة توزيع القرار داخل الطائفة السُّنية ستنسحب على الطوائف الأخرى تباعًا، وعن انعكاس لتحولات إقليمية ودولية أوسع، وعن نهاية نموذج سياسي قائم على التردد والتسويات المؤقتة.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
