هذا ليس مقترح قانون بات جاهزاً ليصبح تشريعاً تحت قبة البرلمان، بل هو إعلان وفاةٍ للأخلاق، ومن بعدها العدالة، في لبنان. ما نعاينه اليوم ليس محاولةً لإنقاذ النظام المالي، بل أكبر عملية تزوير للتاريخ، حيث يحاول القيّمون على «الدولة العميقة»، التي انضمّ إليها وافد جديد قيل يوماً إنه محسوب على حنكة قوى التغيير، فإذا به يُكشِّر عن أنيابه مرتين: مرةً بعنوان «حصرية السلاح بيد الدولة»، ومرةً ثانية بعنوان «الفجوة المالية». ليخرج على اللبنانيين كساحرٍ قانوني محترف، تارةً ينجح في التغطية على شريك خان حليفه الاستراتيجي، وطوراً يدهش الجميع بقدرة عبقرية على تحويل السرقة إلى «عملية إصلاح حقيقية»، والاختلاس إلى «محاولة إنقاذ جدية».
كل ذلك يجري تحت غلاف «اللغة الإصلاحية» عالية الجودة، الهادفة إلى تمرير منطق مفاده أن إنقاذ النظام المالي يمرّ بالضرورة عبر تحميل المودعين — ولو جزئياً — تبعات أفعال لم يرتكبوها. والحقيقة أن ما يحصل لا يمتّ إلى الحنكة القانونية بصلة، بل يشكّل تطويعاً متعمّداً للقانون بهدف إضفاء شرعية مصطنعة على عملية نقل الخسائر من الجهات المسؤولة عنها فعلياً — أي المصارف التجارية، ومصرف لبنان، والدولة، بنسب متفاوتة في ما بينها — إلى حاملي الودائع.
ما يحدث اليوم في لبنان ليس مجرد مقترح لتشريع مالي يُفترض أن ينقذ القطاع المصرفي، بل هو أكبر عملية هتكٍ للقوانين، وفي طليعتها قانون النقد والتسليف، وقانون الموجبات والعقود، من دون إغفال قانون العقوبات اللبناني. لقد تحوّل مقترح قانون «الفجوة المالية» بسرعة قياسية إلى سلعة سياسية، يتبادلها الزعماء كما تُتبادل بطاقات المعايدة مع القطاع المصرفي، يعدون بها فئة متضررة، ويخيفون بها فئة أخرى مستفيدة، بأداء تمثيلي يفوق الخيال.
وتتعامل هذه السلعة السياسية مع المدّخرات وجنى أعمار الناس وكأنها رصيدٌ سياسي للزعامات الطائفية قابلٌ للمساومة، متجاهلةً المبدأ القانوني الأساسي القائل بأن الوديعة عقد أمانة، وليست رأسمالاً مغامِراً يتحمّل صاحبه مخاطر إدارة المصرف أو قصور سياسات الدولة.
الخطير في هذا الأداء التمثيلي هو تبنّيه روايةً كاذبة مفادها أن «الجميع خسروا»، لتبرير تسوية تجعل من كان ضحيةً (المودِع) شريكاً في الخسارة، فيما يفلت من كان فاعلاً (المسيء في إدارة المخاطر) من العقاب. وفي وقتٍ يتمثّل فيه المشهد الأكثر كآبة بالدفاع المستميت من قوى التغيير المحسوبة على منصة «كلنا إرادة»، التي هالها الهجوم على دولة الرئيس ومحاولات الإيحاء بتفوّق رواية الأمير «أبو عمر» عليها، فإذا بها تدافع بشراسة عن قانون مخزٍ، متناسيةً وجوب الحفاظ على ما تبقّى من ماء الوجه الذي جفّ تماماً بفعل التحالفات مع قوى السلطة كافة، ووجوب حفظ خط الرجعة مع «آلام المودعين».
أما جمعية المصارف، التي تحاول الإيحاء بأنها تعارض مشروع القانون، فالجميع يعلم، أو يفترض به أن يعلم، أنها ستضغط في اتجاه إقراره في المجلس النيابي لإبراء الذمّة وتحقيق «راحة البال». وسيخرج المرشّحون، إذا ما حصلت الانتخابات، لبيع الناس الأوهام تحت شعار «نحن من أنقذ مدّخراتكم من التبخّر المصرفي»، فيما هم أنفسهم أولى بأن يخجلوا من تقاعسهم السابق الذي أدّى إلى إفلات المصارف من العقاب، مرّةً بالتقصير القضائي، ومرّةً أخرى بمدح مشروع قانون يُشرّع السرقة والاختلاس. وما هكذا يكون التغيير، وما هكذا نفهمه.
أما السؤال الذي يفرض نفسه بقوّة: هل سيُصدّق اللبنانيون أن السندات الورقية الصادرة عن دولة مفلسة، والمضمونة من مصرف لبنان الذي عجز عن الدفاع عن العملة الوطنية ولجم التضخّم الهائل، قادرة على تسديد قيمتها بعد عشرين عاماً؟ وهل ما يُمنح للبنانيين اليوم هو «هدية مجانية»، أم لعبة خبيثة جديدة تهدف إلى بيع الأوهام مقابل صوتٍ انتخابي يُشترى مجاناً، وفق قاعدة «من دهنه سقّيله»؟
هل يستوعب المواطن لعبة الرهان على صمته؟
الظاهرة الأكثر دلالة، التي لا بد من الإضاءة عليها والتوقف عندها، تتمثّل في أنه، منذ نحو شهر قبل إقرار اقتراح قانون الفجوة المالية عبر الحكومة، خرج تباعاً جميع الخبراء القانونيين المستقلين، والخبراء الاقتصاديين والمصرفيين، من المشهد. وهؤلاء، من المفترض، أنهم كانوا حاضرين للتفاعل والتنبيه، حتى لا يكونوا شهود زور ولا شياطين خرس، يحضرون الاجتماعات مع الطبقة المخملية في القصر الحكومي. فقد وُجدوا أساساً للمشاركة في اللجان باسم الناس، ولعرض الأفكار، والحرص على الصياغة المحترفة لأي مشروع قانون. إلا أنهم، فجأة، انتفضوا جميعاً للتبرؤ العلني من المسودة النهائية للاقتراح قبل إقراره.
وهذا ليس حدثاً عابراً، ولا تفصيلاً بسيطاً، لأنه يشكّل بحد ذاته «إعلان إفلاس أخلاقي وقانوني» لنظام ثبت أن لديه أذرعاً اقتصادية وقانونية وإعلامية تعمل بتناغم تام، وبجهد وخبث، للأكل مع كل ذئب والبكاء مع كل راعٍ. فالاقتراح الذي وُلد بالأمس، ومهما أُجريت له عمليات تجميل، سيبقى محاولة مفضوحة لإضفاء الشرعية على جرائم السرقة والاختلاس.
والسؤال الجوهري الذي لا بد لرئيس الحكومة والوزراء الذين صوّتوا لمصلحة الاقتراح من الإجابة عليه أمام عموم الشعب اللبناني هو الآتي: إذا كان القانون «جيداً وعادلاً»، كما يزعمون، فلماذا فرّ منه، ومن تحمّل تبعات الإعلان عنه، كل من ساهم في صياغته؟ وهل يمكن الإعلان أمام الجمهور العريض عن أسماء لجنة الصياغة التي حاكت بنود هذا الاقتراح؟
المصرفيون الخفيون: حين يكون المعترض هو المخطِّط والمشغِّل
الجواب يكمن في حقيقة واحدة، مفادها أن الصياغة النهائية تمت في غرف مغلقة بين مصرف لبنان ووزارة المال، وبموافقة ومباركة من جمعية المصارف. وما حصل أخيراً لا يعكس سوى تبادل أدوار متّفق عليه، للإيحاء بوجود جهة «معنية» تعترض. فلماذا يُطلب من الرأي العام أن يقتنع بأن أي مصرف لبناني يمكن أن يعارض منحه صك براءة بموجب مشروع قد يصبح قانوناً، وهو في الواقع خير وسيلة للإفلات من العقاب؟ ولا سيما أن غالبية الأقلام ومعظم وسائل الإعلام جرى تطويعها لمقاربة الموضوع بنعومة واضحة، نتيجة «المنّ والسلوى» و«الشاي بالياسمين».
ولا يجب أن يختلف اثنان على أن الحبكة محترفة، وأن الإقصاء المتعمّد لكل الأصوات التي طالبت بحماية المودعين حصل بفعالية. وبعض الخبراء لم يغادروا المشهد لأنهم «اختلفوا في الرأي»، بل لأن من الواجب الاحتفاظ بهم للجولات القادمة، ولعلهم لم ينالوا القسط الذي كانوا يتوقعونه من امتنان اللاعبين على طاولة القمار السياسي والأخلاقي.
بعد الهندسات المالية جاء دور هندسة الكلام
قيل لعموم الشعب اللبناني إن مشروع القانون كان نتاج مشاركة عشرات الخبراء القانونيين والمصرفيين في جلسات النقاش والصياغة. وقيل إن هؤلاء قدّموا مئات التعديلات الهادفة إلى حماية حقوق المودعين، وضمان شفافية آليات استعادة الودائع، مع حرص بالغ على ربط أي حل مشروع بالمحاسبة الجدية واسترداد الأموال المهرّبة إلى الخارج. غير أن الحقيقة هي أن كل هذه التعديلات رُفضت بشكل منهجي، وأُدخلت ترقيعاً، وستُحذف بالتصويت، برعاية «الحاكم بأمره».
والحقيقة أيضاً أن جوهر هذه التعديلات، والذي كان يتمحور حول تحديد المسؤولية الجنائية والمالية للمصارف قبل أي حديث عن اقتطاع الودائع، وربط أي حل باسترداد الأموال المهرّبة عبر الآليات القضائية المتاحة، قد جرى استبعاده منهجياً وعلى جرعات متتالية، لكي تهضمه عقول الناس وتقبل به.
وبدلاً من الحلول الموجعة للمرتكبين، جرى الترويج لمشروع القانون تحت شعار كبير مفاده «حماية 85% من المودعين»، وهي نسبة مشكوك في صحتها، ولا يمكن اعتبارها مسلّمة أكيدة، لعدم خضوعها لأي تدقيق إحصائي مستقل. وكأن تكرار الرقم على ألسنة المسؤولين في دولة مفلسة كفيل بتحويله إلى حقيقة دامغة.
ويكتمل مشهد الازدراء للمشورة القانونية الرصينة بتجاهل الحكومة اللبنانية للموقف الصادر عن مجلس نقابة المحامين في بيروت، الذي رفض مشروع القانون بصيغته المطروحة. فنقابة المحامين في بيروت تمثّل صمام الأمان القانوني للمجتمع، وتُعد مرجعية أساسية في صياغة التشريعات، ولا سيما في الأزمات المصيرية التي تمر بها الدولة.
ومن غير المقبول أن يُلقى برأي مجلس هذه النقابة جانباً وكأنه لا يساوي ثقل ورقة «الترويكا» (الحكومة – مصرف لبنان – المصارف التجارية)، التي توافقت في ما بينها على صياغة المشروع، ووزّعت الأدوار لتأمين التسويق المناسب له.
إن هذا التجاهل ليس إهمالاً فحسب، وليس من قبيل الصدفة، بل هو إعلان واضح بأن القرار قد حُسم في دوائر مغلقة، وأن «المشاورات» لم تكن سوى ديكور ضروري لإضفاء شرعية زائفة على صفقة مشبوهة، كانت بنودها محسومة سلفاً بين أقطاب «ثلاثية السلطة المالية».
المسودة النهائية التي أقرتها الحكومة لمشروع قانون الفجوة المالية جاءت خدمة لمصرف لبنان، بوصفه المدين الذي يسعى إلى التخلّص من التزاماته تجاه المصارف التجارية التي ضلّلها، والتي يُفترض بها، بحكم مهنتها، ألا تقع ضحية أي تضليل مالي، ولا سيما عندما يكون مصدر الجذب هو «الجشع في تحقيق أرباح من استثمارات في قروض عالية المخاطر».
وفي المقابل، تنطق الحكومة بلسان وزارة المال، الساعية إلى البحث عن أي آلية لتغطية عجز الدولة وإطفاء المديونية العامة، في عز أزمة الناس، حفاظاً على ورقة التوت التي تستر عورات الزعامات الطائفية على امتداد الجمهورية.
أما جمعية المصارف، ومن باب دعم المشروع بالشعبية اللازمة، فتحاول إبداء اعتراضها عليه، للدفع في اتجاه نيل المقبولية الشعبية. غير أن الواقع والعقلانية يقولان إن أحداً لا يعترض على صك إبراء ذمته من موبقات ارتكبها، إذا وجد من ينقذه مع تحميله الحد الأدنى من المسؤولية. وهذا «الاعتراض» المتظاهر به هو الجزء الأكثر خبثاً في المشهد المسرحي، لأنه يخلق وهم وجود جدال، فيما الهدف الحقيقي هو إيصال رسالة مفادها: «حتى المصارف غير راضية، ما يجعل مشروع القانون متوازناً وصارماً».
وهكذا يُحوَّل الانتباه عن السؤال الجوهري: لماذا يُطرح مشروع قانون يحاسب المودع (الدائن) قبل أن تُستنفد كل السبل لمحاسبة المصرف (المدين)، واسترداد الأموال من المشتبه بهم الأوّليين، أي المدراء والمساهمين الكبار والجهات المقترِضة المتورطة؟
لكن اللافت أن الخبراء الذين أعلنوا براءتهم من هذا الاقتراح يدركون سلفاً أن هذا القانون ينتهك أحكام الدستور اللبناني، لأنه يمسّ بحق الملكية من دون توفير أي تعويض عادل. كما أنه يناقض قانون النقد والتسليف وقانون الموجبات والعقود، والأدهى من ذلك أنه يُشرّع السرقة عبر تحويل الخسائر الفعلية إلى مجرد «إجراءات تقنية» لتجميل النهب.
خطاب الرئيس سلام يجمع بين الواقع والتمويه
أعلن رئيس الحكومة اللبنانية أن السندات التي ستُعطى للمودعين تتمتّع بقيمة مالية حقيقية، وكأنها لا تمتّ بصلة إلى تجربة سندات اليوروبوندز السابقة، مضيفاً أنه ليس صحيحاً أن القانون لا يُحاسب المرتكبين. لكن من هم هؤلاء المرتكبون؟ ولماذا لم يأتِ أحد على ذكرهم حتى الساعة؟
فالواقع يقول إن القيمة المالية للسندات التي يتضمّنها مشروع القانون تستحق خلال فترة تتراوح بين أربع سنوات وعشرين سنة، وبمعدل فائدة يبلغ 2%، في حين أن معدل التضخم السنوي في لبنان يتجاوز هذه النسبة بأشواط كبيرة. وكأن المطلوب من الناس تجميد ودائعهم قسراً، مع ما يستتبع ذلك من خسارة مؤكدة لقيمتها الحقيقية، إرضاءً للطبقة السياسية والمصرفية في لبنان.
إن الإطار العام الذي تخرج به الحكومة يتمحور حول حماية نسبة 85% من المودعين، وهي النسبة التي جرى الترويج لها على أكثر من لسان. غير أن هذه النسبة، رغم جاذبيتها الإعلامية، تفتقر إلى الشفافية، ولا تستند إلى أي تدقيق موثوق أو مستقل. فهي تصدر عن الجهة نفسها التي تروّج لمشروع القانون، من دون أن تخضع لمراجعة من هيئة إحصائية أو رقابية محايدة تؤكّد مصداقيتها. إن قبول هذه النسبة كحقيقة مطلقة يعني، عملياً، القبول بمنطق الطرف المدين في تعريف حجم دينه وشرائح دائنيه، وهو ما يشكّل تنازلاً خطيراً عن حق المودعين في معرفة الحجم الحقيقي للخسائر وكيفية توزيعها بصورة عادلة.
فهل يمكن عرض الأرقام الكاملة المتعلّقة بجميع المودعين والشطور العائدة للودائع في المصارف اللبنانية؟ وإذا كانت نسبة 85% من المودعين تقل ودائعهم عن مئة ألف دولار أميركي، فما هي نسبة المودعين الذين تتراوح قيمة ودائعهم بين مئة ألف ومليون دولار أميركي؟ وما هي نسبة المودعين الذين تتراوح قيمة ودائعهم بين خمسة ملايين وعشرة ملايين دولار أميركي؟ ولماذا لا تُرفع السرية المصرفية عن كل صاحب وديعة تفوق قيمتها مليون دولار أميركي، في حال تبيّن أن تصريحاته الضريبية لا تتطابق مع حقيقة ما يملكه في المصارف، أو إذا كان من العاملين في القطاع العام أو من شاغلي أي من السلطات الدستورية؟ أليس هذا هو المدخل الإصلاحي الحقيقي لمعالجة فجوة مالية تريد الحكومة إقناع اللبنانيين بأنها سبب الأزمة الاقتصادية والنقدية في البلاد؟
وعليه، يمكن القول إن وصف السندات المزمع إعطاؤها للمودعين بأنها «ذات قيمة مالية حقيقية» يتجاهل حقيقتين اقتصاديتين أساسيتين:
- الأولى تتعلّق بالقيمة الزمنية للنقود وآثار التضخم، إذ إن السندات تستحق على مدى يتراوح بين عشر وعشرين سنة، وبفائدة اسمية تبلغ 2%، وهي نسبة أدنى بكثير من معدلات التضخم الحالية والمتوقعة، ما يعني تآكلاً تدريجياً في القيمة الشرائية الحقيقية للأموال مع مرور الوقت. ما يُمنح للمودع هو القيمة الاسمية لوديعة مجمّدة، فيما تُسلب منه قيمتها الفعلية بفعل الزمن والسياسات المعتمدة.
- أما الحقيقة الثانية، فتتمثّل في أن ضمانة هذه السندات هي «أصول مصرف لبنان»، ما يرفع من مستوى مخاطر الائتمان. فما هي القيمة القابلة للتحقّق فعلياً من هذه الأصول؟ وما مدى جدية التزام الدولة بإعادة الرسملة، وهو التزام أقرّه مجلس الوزراء، علماً بأن كلا الأمرين يبقى رهن تقديرات وتنفيذ جهات كانت طرفاً أساسياً في التسبّب بالأزمة.
إن هذا العبث، الموصوف بالفوضى المتعمّدة للتضليل، يخلق تضارباً خطيراً في المصالح، حيث يكون الضامن هو نفسه المدين الأكبر. ومن قال إن الدائن يقبل بأصول مصرف لبنان كضمانة لحقوقه، في وقت يُلاحق فيه حاكم سابق لمصرف لبنان قضائياً، محلياً ودولياً، بجرائم تبييض أموال واختلاس وتقاضي عمولات غير مشروعة؟ ورغم خطورة هذه الاتهامات، جرى تخلية سبيله بأسلوب لا يبعث على الثقة، من خلال القفز فوق الصناديق الواجب تسديد الكفالة لها لتسريع خروجه، ما أدّى إلى اعتراض علني من وزير المالية.
إن الخطاب الرسمي الذي يتجاهل عمداً «الضحايا الذين فقدوا أموالهم»، ولا يراعي صبرهم الممزوج بالمرارة خلال ست سنوات من الغياب شبه التام للدولة، ومن تعطّل العمل المصرفي الاعتيادي، ومن التجميد اللاإرادي للودائع والحسابات بفعل التعاميم المجحفة وغير القانونية الصادرة عن حاكم مصرف لبنان، بحجّة «تصفير» عجز المصارف ومنع إفلاسها على حساب المودعين، هو خطاب بالغ الخطورة. فقد فرضت هذه التعاميم سقوفاً شهرية للسحوبات لا تؤمّن العيش الكريم للمودع، ولا تلبّي حاجاته الأساسية من ماله الخاص، وصولاً إلى السماح بإجراء تحويلات بمبالغ هزيلة لا تليق بكرامة الإنسان، وهي كلها مؤشرات شديدة السلبية.
ولعل الجميع تناسى، أو أراد أن يتناسى عمداً أو عن جهل، حسابات المودعين التي كانت تتمتّع بقيمة شرائية حقيقية وأُودعت بالليرة اللبنانية، تلك العملة التي لطالما أكّدت الحكومات اللبنانية وحاكم مصرف لبنان أنها «بخير». هذه الفئة فقدت مدخراتها نتيجة الإيمان بصدق الكاذبين، وبسبب الحاجة، وبفعل التعاميم الجائرة التي وفّرت الغطاء لإجراءات المصارف التعسفية. هؤلاء لا ذكر لهم في مشروع القانون.
أما الفئة الثانية المنسية، فهم المتقاعدون في القطاع العام، الذين تقاضوا معاشاتهم بالليرة اللبنانية لسنوات طويلة أمضوها في الخدمة، وكانت تعويضاتهم في نهاية المطاف من دون أي قيمة مالية تُذكر. ومع ذلك، يُقدَّم لهم اليوم خطاب مفاده أن الأولوية هي لأن تستعيد الدولة عافيتها المالية، ومن بعدها مصرف لبنان والمصارف اللبنانية.
إن هذا التجاهل ليس سهوًا، بل يأتي استكمالاً لسياسة تمييز مالي ممنهجة، فرّقت بين من هرّبوا دولاراتهم إلى الخارج ومن علقوا بالليرة، وبين من يحكمون ومن يُطلب منهم دائماً دفع الثمن.
وثائق الإعدام القانوني للمدخرات
إنّ التعميم 151 كان وثيقة حماية للمصارف اللبنانية من الإفلاس أو إعلان التوقف عن الدفع. والهدف المعلن منه كان «معالجة العجز»، أمّا الهدف الحقيقي فتمثّل في نقل خسائر المصارف إلى المودعين، من خلال تحويل الودائع بالدولار الأميركي إلى حسابات «لولار» وهمية، ما أدّى إلى خفض قيمة الودائع فعلياً قبل اقتراح أو إقرار أي قانون، مع تغييبٍ كامل لأي دور للجهات الرقابية داخل مصرف لبنان. وتبع ذلك إنشاء واقع مالي جديد يجعل أي «حل» لاحق مجرد إضفاء شرعية على سرقة وقعت بالفعل.
وصولاً إلى التعميم 158، الذي كان أداة لتجميد الحياة، إذ إن قيمة 800 دولار شهرياً هي مبلغ لا يكفي لعلاج مريض واحد، فكيف يمكنه أن يؤمّن كفاية عائلة لبنانية فيها مريض واحد؟ وهنا لا بدّ من التنويه إلى أنه، في عزّ الصخب القانوني الحاصل حول هذه التعاميم، والتي كانت تهدف إلى تسليم 400 دولار تُلزم صاحب الحساب بحرق 400 دولار بالمقابل، بما يحقق مصلحة المصرف التجاري لا المصلحة العامة، فقد كان هناك تمييز واضح في التنفيذ. فبينما يحصل المواطن العادي على 800 دولار، تشير مؤشرات عدّة إلى استمرار التحويلات الكبيرة للنخبة السياسية والمصرفية.
لننتهي مع التعميم 166، وهو الفصل الأخير من هذه المسرحية التراجيدية التي أدارها مصرف لبنان تحت عنوان حماية النقد الوطني. فهذا التعميم جاء ليعطينا وهم توافر السيولة، عبر السماح بإعطاء مبالغ زهيدة من الودائع المجمّدة رغماً عن أنف مالكها. كلّها مسكّنات مالية لتأمين ظروف تهدئة الشارع وامتصاص نقمته، تمهيداً لتمرير مشروع قانون الفجوة المالية، مع الاستمرار المنهجي في نهب المدخرات وإطفاء المديونية العامة من جيوب المواطنين.
أين الحساب للمستفيدين من السرقة والاختلاس؟
إذا كان مشروع القانون الحالي يُكرّس «المحاسبة»، كما يدّعي دولة رئيس الحكومة، فمن هي الأسماء المتورطة؟ ولماذا لا تُطلق يد القضاء في ملاحقة كبار المسؤولين في مصرف لبنان والمصارف التجارية؟ وهل كان الأمر كلّه مقتصراً على شخص رياض سلامة وحده؟ ولماذا لم تتم عملية استرداد أموال التحويلات المشبوهة التي جرى تهريبها إلى الخارج من قبل السياسيين والمصرفيين؟ وألا يقتضي اتخاذ قرار بمحاسبة علنية وسريعة لكل من أصدر التعاميم المجحفة وانتهك القوانين المرعية الإجراء، بدلاً من انتظار مشروع القانون المسخ الذي أقرّته الحكومة؟
إنّ «المحاسبة» في البيان الوزاري الحكومي يبدو أن معناها هو إجراء «تدقيق محاسبي»، أمّا «المحاسبة» التي نريدها وفقاً للمفهوم القانوني، فتعني مساءلة جزائية لجميع المتلاعبين بحياة الناس ومصائرهم ومستقبل أولادهم، واسترداد الأموال المهرّبة.
جوهر أزمة الثقة لا يكمن في بنود مشروع القانون نفسه، بل في التعمد الواضح لخرق مبدأ المساواة أمام القانون والعدالة. فالنظام القضائي اللبناني، خلال فترة الأزمة المستفحلة، أظهر عجزاً عن ملاحقة المتحكمين بالقطاع المالي، بل عقد صفقات معهم لتجنيبهم تحمّل تبعات أفعالهم الجرمية. وبدلاً من معالجة هذا الخلل المؤسساتي عبر إصلاح قضائي عاجل ومنح هيئات التحقيق صلاحيات استثنائية، يأتي القانون ليُجري «محاسبة مالية» سريعة على حساب المودع. إنه استبدال لمحاكمة الجناة والمرتكبين بـ«تسوية» مع الضحايا، وعلى حسابهم ومن مالهم ووقتهم، ما يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب ويخلق سابقة خطيرة تسمح بتكرار الجريمة مستقبلاً.
قصص الوجع: وجوه لم تُرَ في أروقة السراي
وراء الأرقام الجافة في مسودة القانون، مآسٍ إنسانية وقعت ولم يُحسب لها أي حساب. ماذا عن ذلك المواطن الذي أفنى عمره في جمع ادخاراته، ومرّت عليه ست سنوات عجاف كان يعيش خلالها من معونة أبنائه المغتربين؟ متى نقول لهذا المعمّر إنه سيقبض ماله إن فاقت قيمته مئة ألف دولار أميركي؟ وهل تضمن له الحكومة أن يعيش ليستلم المال الذي تمّ اختلاسه منه؟
وماذا نقول لتلك العائلة التي باعت منزلها بثمن بخس لتأمين نفقات العلاج، حين كانت أموالها محجوزة دون وجه حق لدى المصرف الذي أساء الأمانة؟ من سينصف هذه العائلة في مصابها الجلل؟ وتلك الوالدة التي جمعت ذهبها على مدى عشرين سنة وباعته لتأمين تعليم حفيدها، تحقيقاً لحلم ابنها المنهار اقتصادياً؟ ما هي هذه السندات الورقية التي يُفترض أن تعوّض لها خسارتها؟
المسألة أخلاقية قبل أن تكون قانونية بحتة. فما حصل ليس أرقاماً في موازنة دولة منهوبة يمكن التلاعب بها برفع الأيدي وبالمحاصصة التي درجت العادة أن تستر كل العيوب. هناك أعمار مسروقة، وأحلام مقتولة، وكرامات مهانة، من أجل حفنة ممن اكتسبوا ثقة لم يكونوا أهلاً لها. وبالطبع، فإن كل من جلس في الغرف المغلقة داخل السراي الحكومي لم يعاين هذه الوجوه، ولم يستمع إلى هذه القصص.
هذه المأساة ليست حالات فردية عابرة، بل هي النتيجة الإنسانية الكارثية لفشل سياسات المساءلة الرقابية والقضائية. فلو أن الهيئات الرقابية في مصرف لبنان قامت بواجبها، ولو أن القضاء تحرّك بجدية لملاحقة التحويلات المشبوهة منذ عام 2017، لكان من الممكن استرداد مليارات الدولارات وحماية المدخرات، وربما كنا بغنى عن طلب المهل من الضحايا لاستعادة ودائعهم بعد نحو ست سنوات من وقوع الكارثة.
التركيز اليوم ينصبّ على شعار «تعويض الضحايا» وكأنه إنجاز وطني عظيم، فيما هو في الحقيقة أضعف الإيمان في دولة القانون والمؤسسات. وتبقى الطامة الكبرى في التغاضي عن ملاحقة من كانوا السبب في وجود الضحايا أساساً، ومن أوصلوا البلاد والعباد إلى هذه الحال. لذلك، فإن مشروع القانون هذا ليس سوى تشريع للظلم تحت غطاء التعاطف، وهو انعكاس صارخ لأقصى درجات الخبث السلطوي.
البديل: الرفض لا الترقيع
ما لا يقبله عقل ولا قانون لا يجب أن يمرّ. فمن غير المنطقي ولا الأخلاقي قبول مشروع قانون صاغه الطرف المدين (الدولة اللبنانية – مصرف لبنان، بمشاركة من جمعية المصارف المعترِضة علناً) لصالحه. ولا يعاتبَنّ الشعب اللبناني أحدًا إن أعلن أنه لا يمكن الوثوق بسندات صادرة عن دولة مفلسة يحكمها حفنة من كبار اللصوص؛ فالدولة الغائبة عن الوعي طوال ستة أعوام مضت، والمتخلّفة عن تسديد سندات اليوروبوندز في مواعيدها، لا تستطيع تقديم ضمانات حقيقية يمكن التعويل عليها، ولا يحق لها مطالبة الناس بالثقة بها. ولا يمكن، مقابل طباعة أوراق سندات مالية، مطالبة الشعب اللبناني سلفاً بالتنازل عن حقه في ملاحقة من سرقوا المدخرات وسطوا على جنى الأعمار، وتابعوا مسيرتهم المصرفية بكل اطمئنان وراحة بعدما أمّنوا لأنفسهم الإفلات من العقاب.
الرفض ليس تعنّتاً، بل التزاماً بمبادئ القانون. فقانون الموجبات والعقود يحفظ حق الدائن، وقانون النقد والتسليف يفرض على المصرف المركزي حماية القطاع المصرفي والنقد الوطني، لا تحميل المودعين، صغاراً كانوا أم كباراً، نتائج إخفاقه وسوء تقديره وإدارته أو خضوعه للإملاءات السياسية. وأي تشريع يتجاوز هذه الثوابت يمسّ بأسس العدالة التعاقدية والائتمانية. والبديل المطلوب تحقيقه ليس الفراغ، بل تفعيل أحكام القوانين القائمة (كقانون توقّف المصارف عن الدفع وفرض تعيين مجالس إدارة تحت رقابة قضائية). غير أنّ هذه الإجراءات القانونية تحتاج إلى رفع الضغط السياسي عن القضاء، لتمكينه من القيام بما يلزم لفرض تطبيق أحكام القانون على مرتكبي الجرائم الاقتصادية من أصحاب الياقات البيضاء، وهي جرائم جنائية في العديد من دول العالم، قبل القفز إلى «حلول» تلغي الحقوق وتسحق أصحابها وتمنّ عليهم تحت ذريعة الضرورة، وبحجّة أن هذا المشروع هو «أفضل الممكن»، في حين أنّه في الواقع «أسوأ الممكن».
إن رفض منطق «نقل الخسائر» الذي افتتحت به الحكومة مسرحية «الإنقاذ المزعوم» هو تأكيد على ضرورة اعتماد حل عادل يبدأ أولاً باسترداد الأموال من الجناة، وحماية أموال الضحايا من المودعين، صغاراً كانوا أم كباراً، حماية كاملة غير منقوصة.
الصمت الدولي المُشترى والمصالح المتبادلة
إن مطالب الناس بالغة الإلحاح، وتتمثّل في وجوب إلغاء التعاميم غير القانونية الصادرة عن مصرف لبنان، بكافة مفاعيلها السابقة، والتعويض عن الاختلاسات التي حصلت تحت غطاء «قانوني» وفّرته تلك التعاميم الباطلة. يلي ذلك فتح تحقيق قضائي شامل في كل التحويلات المالية الكبرى منذ عام 2017 كحدٍّ أدنى، وتطبيق مفاعيل قانون توقّف المصارف عن الدفع (رقم 2/67) بدلًا من اختراع قوانين جديدة، مع كفّ يد المديرين وأعضاء مجالس الإدارة، إضافة إلى وجوب تشكيل لجنة تحقيق برلمانية مستقلة تُمنح صلاحيات قضائية. ويا حبّذا لو تتبنّى الحكومة اللبنانية حق إقامة دعاوى جماعية دولية ضد المصارف اللبنانية في الخارج.
أما الأخبار المتداولة عن أنّ مشروع الحكومة لاقى «ترحيباً دولياً»، فهي في الحقيقة صمتٌ مُشترى؛ إذ إن بعض الدول الساعية إلى تحقيق مصالحها في الساحة اللبنانية تريد «استقراراً» بأي ثمن. فالاستقرار السياسي المؤقت لهذه الدول أهمّ من العدالة للبنانيين. ولا بدّ من عدم إغفال أنّ بعض المصارف الدولية التي تعاملت مع المصارف اللبنانية، ولعلّها لا تزال تتعامل معها، تفضّل «حلّاً سريعاً» يغطّي الديون الخارجية، حتى ولو كان ذلك على حساب المودعين اللبنانيين.
إن الترحيب الفرنسي بما يُسمّى قانون الفجوة المالية خير دليل على ذلك؛ ففرنسا عضو في لجنة «الميكانيزم» سيّئة الذكر، وهي الدولة التي تتحدّث عن «حقوق الإنسان» في العالم، لكنها تجاهلت جريمة الإبادة الجماعية في فلسطين ونتائج الحرب المدمّرة على لبنان، وها هي اليوم ترحّب بقانون يسلب اللبنانيين حقوقهم الأساسية في الملكية. لماذا؟ لعلّها تريد ضمان استقرار لبنان في مواجهة النفوذ الإيراني، ولعلّها تسعى إلى حماية مصالحها التاريخية في النظام المالي اللبناني، ولعلّها ترغب في تحويل لبنان إلى نموذج للخضوع، حيث تُسرق الشعوب مرّات ومرّات، مع الإبقاء على واجبها في التصفيق للحكومات.
أما صمت صندوق النقد الدولي حتى الساعة فهو مريب للغاية، بعدما كانت مواقفه خلال مراحل طويلة من الأزمة تظهر بسرعة فائقة. فالقانون المطروح لا يلبّي الحدّ الأدنى من شروط المحاسبة والشفافية التي لطالما نادى بها الصندوق، ومع ذلك نراه ينتظر «ترتيب الأوراق» قبل إعلان موقفه الرسمي، وكأنّ وراء الأكمة ما وراءها.
بين جيفة التشريع وضرورة المقاومة
إن القانون الذي تتبرّأ منه لجنة صياغته لا يعدو كونه «جيفة تشريعية» تنتظر الدفن. غير أنّ المسؤولية اليوم تنتقل من طاولة لجنة الصياغة، ثم الحكومة، إلى مجلس النواب الذي يُفترض نظرياً أن يكون ضمير الأمة. لقد آن الأوان لأن ترفض الضحية الصمت والتطبيع مع الجاني. فكل وثيقة تصدر، وكل تصريح يُعلن، وكل وعد كاذب، يجب حفظه في سجلّ التاريخ.
وأمام هذا العجز، لا بدّ من خرق جدار القانون وسقفه نحو مستوى أعلى من المواجهة، واجتراح أفكار خلاقة لرفع دعاوى جماعية أمام المحاكم اللبنانية والدولية. فهل يمكن أن يصوّت الشعب اللبناني بثقة لمن سرق النظام المالي–النقدي واستبدله بسندات؟ وهل سيبيع الشعب اللبناني آلامه وصوته كما بيعت مدخراته؟ أم تُصنع معجزة الوعي التي ترفض أن يكون الناس مجرّد أرقام في لعبة سياسية قذرة؟
القانون الحقيقي ليس حبراً على ورق، بل هو ضمير الأمة، ويعكس أخلاقها وآدابها العامة. وإذا كان ضمير النخبة قد مات تحت ركام الفساد، فلنُحْيِ ضمير الشعب بمقاومة تليق بكرامة من بنوا لبنان بدمائهم، لا بسرقة مدخراتهم.
ختاماً، حين يفرّ كل من شارك في الصياغة من القانون، فهذه ليست «ملاحظة تقنية»، بل صيحة إنذار أخيرة بأن النظام يحاول إضفاء الشرعية على أكبر عملية سرقة واختلاس في تاريخ لبنان الحديث. وهو إنذار بأن النخبة الحاكمة مستعدة لتدمير ما تبقّى من ثقة بالقانون من أجل حماية نفسها، كما هو إنذار بأن الوقت لم يفت بعد للوقوف في وجه التشريع المنظّم للسرقة.
إن الخيار ليس بين «قانون ناقص» و«لا قانون»، بل بين قانون يكرّس السرقة والاختلاس ويدفع البلاد نحو الانهيار النهائي، ومقاومة قانونية شعبية لهذا الاقتراح، مع رفض التطبيع مع النهب والسعي الجدي إلى تحقيق العدالة.
إن غسل الأيدي من المشاركين في الصياغة يدلّ على أن المبنى معيب وغير قابل للإصلاح، ما يفرض هدمه لإعادة بنائه على أسس العدالة والمحاسبة.
وعلى المودعين اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ألا يبيعوا حقوقهم بسندات وهمية، وألا يتخلّوا عن ملاحقة السارقين. فالتاريخ لن يرحم من يتنازل طوعاً عن كرامته وحقه، والدمع الذي انهمر يوماً من عيون أضناها التعب في جمع المال الحلال، نتيجة سطو المصارف على المدخرات، لا يجوز أن يذهب سدى، بل يجب أن يكون وقود مقاومة تدكّ صروح الظلم، لأن الحق لا يموت، والعدالة وإن تأخّرت، فهي آتية.

د. جاد طعمه
محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.
