في جوهر التحركات الأميركية الأخيرة، لا يبدو أن المسألة تتعلق فقط بإدارة أسواق الطاقة أو فرض عقوبات تقليدية، بل بإعادة صياغة ميزان القوة العالمي عبر أداة حاسمة، هي النفط.
فالتداخل بين قرارات دونالد ترامب تجاه كلٍّ من فنزويلا وإيران يعكس نمطاً استراتيجياً متماسكاً، يستهدف في عمقه إضعاف القدرة التنافسية للصين عبر ضرب أحد أهم مصادر قوتها: الوصول إلى الطاقة منخفضة الكلفة.
لقد بنت الصين، خلال العقد الأخير، نموذجاً مرناً لتأمين احتياجاتها النفطية، قائماً على استيراد النفط الخام من دول خاضعة للعقوبات أو للضغوط الغربية، مستفيدة من خصومات كبيرة ومن شبكات نقل بديلة لا تخضع بالكامل للرقابة الأميركية. ولم يكن هذا النموذج مجرد خيار اقتصادي، بل تحوّل إلى رافعة جيوسياسية واقتصادية سمحت لبكين بتخفيف أثر الضغوط التجارية والتكنولوجية الأميركية. ومن هنا تحديداً، تبدو محاولة واشنطن تفكيك هذا النموذج وكأنها استهداف مباشر لإحدى ركائز الصعود الصيني.
في حالة فنزويلا، يظهر التحوّل الأميركي وكأنه انتقال من سياسة العزل الكامل إلى الاحتواء المشروط. فبدل إبقاء النفط الفنزويلي خارج السوق، يجري العمل على إعادته تدريجياً، ولكن ضمن إطار يسمح بإعادة توجيه تدفقاته وتقليص ارتباطه بالصين. هذه المقاربة لا تهدف فقط إلى زيادة العرض العالمي لتهدئة الأسعار، بل إلى إعادة إدخال مورد كان يصبّ في مصلحة بكين ضمن منظومة أكثر قرباً من النفوذ الأميركي، ما يحدّ من قدرة الصين على الوصول إلى إمدادات ميسّرة خارج قواعد السوق.
أما في ما يتعلق بإيران، فإن المسألة أكثر تعقيداً وحساسية. فطهران تمثل عقدة مركزية في شبكة إمدادات الطاقة غير التقليدية للصين، واستهدافها لا يقتصر على تقليص حجم الصادرات، بل يمتد إلى تعطيل البنية اللوجستية التي تسمح بوصول النفط إلى آسيا. وهنا، يتقاطع الضغط الاقتصادي مع البعد الأمني والجيوسياسي، حيث تتحوّل طرق الشحن والممرات البحرية إلى ساحات صراع غير مباشر، ما يزيد كلفة المخاطر ويقوّض فعالية الشبكات التي تعتمد عليها بكين.
بهذا المعنى، يمكن فهم الاستراتيجية الأميركية على أنها محاولة لفرض “تسعير جيوسياسي” للطاقة، بحيث لا تعود الأسعار وحدها العامل المحدِّد، بل أيضاً درجة القرب أو البعد عن النظام المالي والتجاري الذي تقوده واشنطن. وإذا نجحت هذه المقاربة، فإنها ستجبر الصين على التحوّل نحو مصادر أكثر كلفة أو أكثر خضوعاً لشروط السوق، ما ينعكس مباشرة على قدرتها التنافسية ونموها الاقتصادي.
انعكاسات هذا المسار على الشرق الأوسط تبدو مركّبة ومتناقضة في آن واحد. فمن جهة، قد تستفيد الدول المنتجة من ارتفاع الطلب على نفطها كبديل عن الإمدادات المقيّدة، ما يعزّز موقعها في السوق العالمية ويمنحها هامشاً أوسع للمناورة السياسية. لكن من جهة أخرى، فإن تصاعد التوتر، ولا سيما في منطقة الخليج، يرفع مستوى المخاطر الجيوسياسية إلى حدّ قد يهدّد استقرار الإمدادات نفسها، ويجعل أي مكاسب اقتصادية عرضة لتقلبات حادة.
أما الدول المستوردة للطاقة في المنطقة، فتقف في موقع أكثر هشاشة، إذ تجد نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين ارتفاع الأسعار، وضغوط التضخم الاقتصادي، وتراجع القدرة الشرائية. وفي حالات مثل لبنان أو الأردن أو مصر، قد تتحول هذه الضغوط إلى عوامل عدم استقرار اقتصادي واجتماعي، خصوصاً في ظل محدودية الهوامش المالية.
كما أن التحركات الأميركية لا تبدو مجرد سلسلة قرارات منفصلة، بل هي جزء من إعادة تموضع استراتيجي أوسع يسعى إلى استخدام الطاقة كسلاح بديل لإعادة تشكيل موازين القوة العالمية. وبينما تتركّز الأنظار على فنزويلا وإيران، فإن الهدف الحقيقي يكمن في مكان آخر، وهو إبطاء اندفاعة الصين وإجبارها على اللعب ضمن قواعد اللعبة العالمية، لا وفق القواعد التي تضعها بنفسها.
في هذا السياق، يصبح الشرق الأوسط ساحة تأثير، إذا صحّ التعبير، ليس فقط كمصدر للطاقة، بل كبيئة اختبار لتوازنات دولية جديدة لم تستقر بعد.
في ختام هذا التحليل، يبرز سؤال افتراضي لا يقل أهمية عمّا سبقه: ماذا لو نجح ترامب في تقليص دور إيران كمصدر رئيسي للنفط منخفض الكلفة للصين؟ هل تتوقف الاستراتيجية عند هذا الحد، أم أنها ستتوسّع لتشمل مزوّدين آخرين؟
الإجابة المرجّحة، في ضوء منطق هذه المقاربة، هي أن المسار لن يتوقف، بل سيتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً وانتقائية. فالصين لا تعتمد على مصدر واحد، بل على شبكة متنوّعة تشمل دولاً مثل روسيا، وبعض الدول الإفريقية، إضافة إلى موردين في الشرق الأوسط. وبالتالي، فإن أي محاولة لإضعاف هذا النموذج تقتضي التعامل مع هذه الشبكة ككل، لا مع عقدة واحدة فيها.
غير أن الانتقال إلى هذه المرحلة يطرح تحديات مختلفة تماماً. فالتعامل مع دول كبرى أو شريكة في النظام الدولي، مثل روسيا، لا يشبه الضغط على إيران أو فنزويلا. هنا تصبح كلفة المواجهة أعلى بكثير، سواء من حيث التداعيات الجيوسياسية أو من حيث انعكاساتها على استقرار أسواق الطاقة العالمية. كما أن بعض هذه الدول، وخصوصاً في الشرق الأوسط، ترتبط بعلاقات معقّدة ومتوازنة مع واشنطن وبكين في آن معاً، ما يجعل إخضاعها لاستراتيجية “إعادة توجيه” شاملة أمراً بالغ الحساسية.
في هذا السياق، قد لا تلجأ الولايات المتحدة إلى أدوات صدامية مباشرة، بل إلى مزيج من الحوافز والضغوط الناعمة. أي أن الهدف لن يكون بالضرورة قطع الإمدادات عن الصين، بل إعادة ضبط شروط حصولها عليها وفق أسعار السوق العالمية، بحيث تصبح أقل مرونة وأكثر كلفة.
وعليه، فإن ما بدأ باستهداف دول خاضعة للعقوبات قد يتطوّر تدريجياً إلى إعادة هندسة أوسع لخريطة الطاقة العالمية، حيث تتحوّل كل دولة مصدّرة إلى ساحة توازن بين قوتين عظمتين. وفي هذه المرحلة، لن يكون السؤال فقط من يبيع النفط للصين، بل: تحت أي شروط، وبأي كلفة سياسية واقتصادية، سيتم بيع النفط للصين؟
هنا تحديداً، تتبلور ملامح صراع طويل الأمد، لا يُدار، ولن يُدار، عبر العقوبات أو الأسواق وحدها، بل عبر إعادة تعريف قواعد اللعبة نفسها.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
