في كل عام، ومع إطلالة الثاني والعشرين من تشرين الثاني، أفتح نافذةً صغيرة على ذاكرة الوطن الكبير: أرى طفلةً تلوّح بالعلم في باحة المدرسة، وأمّاً تُلقي على أبنائها نظرةً يختلط فيها الرجاء بالقلق، وجندياً يقف على حدود البلاد بزيّ لا يصدّ البرد وراتبٍ لا يكفي أسبوعاً. أرى لبنان الذي نحبّه، لا لبنان الذي آل إلينا اليوم. وفي قلب هذا التناقض ينهض سؤالٌ لا بدّ منه: بأيّ استقلال نحتفل؟
لقد تعاملنا مع تاريخ الاستقلال بوصفه حقيقةً ناجزة، فيما هو في العمق وعدٌ لم يكتمل بعد. فاستقلال عام 1943 شكّل لحظةً تأسيسيةً مشرقة، لكنه لم يتحوّل يوماً إلى نظام سياسي راسخ أو إلى دولةٍ مكتملة السيادة. فمنذ تلك اللحظة، تعاقبت الوصايات على لبنان بأشكالها المتبدّلة: من وصاية الطائفية، إلى وصاية الميليشيا، ووصاية الحرب، فوصاية الفساد، وصولاً إلى هيمنة الخارج وتغلغل منظومات الداخل.
وإذا كان استقلال الدول يُقاس بقدرتها على اتخاذ القرار، وفرض القانون، وصون كرامة المواطنين، فهل اختبر اللبنانيون يوماً استقلالاً حقيقياً؟ الاستقلال بجوهره ليس تاريخاً نحتفل به، بل شعور يسكن الإنسان. ولا يشعر المواطن أنه مستقلّ حقاً إلا حين ينام مطمئناً إلى غده، غير خائفٍ من مصرفٍ يبدّد جنى عمره، ولا من سلاحٍ يعلو على سلطة الشرعية، ولا من منظومةٍ تجعل مصالحها تطيح بمصلحة الوطن.
يشبه لبنان بيتاً شاده الآباء في 22 تشرين الثاني 1943، لكن الأبناء أهملوا الأمانة. تركوا نوافذه مشرّعةً للرياح، فاقتحمته كل أشكال الوصايات والصفقات والفساد. وفي هذا البيت المتهالك، لم يعد أحد يسأل: من يحرس؟ من يصون؟ ومن يعيد البناء؟
الاستقلال، يا سادة، ليس رايةً نرفعها مرةً واحدة في السنة. الاستقلال هو أن نُغلق نوافذ البلد أمام التدخلات، وأن نفتح أبوابه فقط أمام المحاسبة والعدالة والمساواة. الاستقلال ليس فقط خروج الجيوش الأجنبية، بل خروج النفوذ الخاص من مؤسسات الدولة.
وفي هذا المعنى، نستحضر قول المفكر أشعيا برلين: “الحرية ليست غياب القيود، بل القدرة على تحقيق الذات”. وهنا يتبدّى السؤال المرير: هل استطاع اللبنانيون تحقيق ذواتهم في وطنهم؟ هل كانوا أحراراً في خياراتهم؟ فاللبناني، منذ عقود طويلة، يعيش حياةً تخطّها السياسة، ويمحوها الفساد، ويعيد رسم خطوطها الخارج حيناً والداخل حيناً آخر.
الاستقلال الحقيقي يولد يوم نُحرّر الدولة منّا… من أخطائنا، من انقساماتنا، ومن الفساد الذي غذّيناه بالصمت والتغاضي. يولد يوم نرى بلدنا بخير، وأهلنا بخير، والسياسيين يعملون لبناء الوطن لا لهدمه.
هو استقلال القضاء قبل أي استقلال آخر، واستقلال الجيش عن أي تجاذب أو إقحام، واستقلال الاقتصاد عن قبضة الفساد والاحتكار.
هو أن يكون المواطن سيداً في دولته، لا متسوّلاً على أبوابها، ولا رقماً في دفاترها.
هو أن تكون الدولة محترمةً في ذاتها، ليحترمها العالم من حولها.
في هذا اليوم، قد يكون الاعتذار أليق بنا من الاحتفال: نعتذر من وطنٍ ظننّا أننا نحمله، فإذا به هو الذي حملنا. نعتذر من علمٍ صار أكبر من دولةٍ لم تعرف كيف تحميه. نعتذر من شعبٍ دفع أثماناً ما دفعها شعبٌ آخر، ولم ينل العدالة التي يستحقها.
لكن، رغم كل شيء، تبقى في هذا البلد فسحةٌ من الضوء. فسحة تكبر كلما رفع مواطنٌ رأسه بكرامة، كلما قال «لا» للفساد، كلما رفض الخطاب الطائفي، وكلما آمن بأن لبنان قادر دائماً على أن يكون أفضل.
ختاماً، إلى شباب لبنان نتوجه: لستم جيلاً ضائعاً كما يشيع البعض، بل أنتم جيل الاستقلال المقبل. جيلٌ يرفض الطائفية، ويخاطب العالم بلغته، ويبحث عن دولةٍ تشبه أحلامه لا تشبه الطوائف. لا تنتظروا الدولة… بل اصنعوها. اصنعوها من جديد. أنتم الاستقلال الحقيقي، لأنكم أول ضحايا غياب الاستقلال؛ ضحايا دولة لم تحمِ شعبها من الانهيار ولا من جهلة السياسة وأصحاب المصالح.

كارين عبد النور
صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.
