لم يكن صباح يوم الخميس الثلاثين من تشرين الأول عادياً في الجنوب اللبناني. فبينما كانت الأنظار لا تزال مشدودة إلى اجتماع لجنة «الميكانيزم» في الناقورة، شهدت المنطقة تصعيداً إسرائيلياً خطيراً تمثل بسلسلة غارات متزامنة وتوغّل ليلي جنوباً في بلدة بليدا تجاوز الألف متر، وفق ما أوردته «الوكالة الوطنية للإعلام». وأسفر الهجوم عن مقتل موظّف بلدي داخل مبنى البلدية، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي أنّ العملية استهدفت «بنية تحتية لحزب الله».
هذا التصعيد الميداني جاء بعد سلسلة تحركات سياسية بارزة، أبرزها زيارة المستشارة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى بيروت، واللقاء السري الذي جمعها بمسؤولي لجنة «الميكانيزم»، تلتها زيارة رئيس جهاز المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد، الذي حمل في جعبته أفكاراً تسووية يجري اختبارها في ضوء المسار التفاوضي القائم في غزة.
«الميكانيزم» من لجنة مراقبة إلى قناة تفاوض
تشير المعطيات الدبلوماسية إلى أن لجنة «الميكانيزم»، التي أنشئت عقب وقف الأعمال العدائية في أواخر عام 2024، بدأت تتحوّل تدريجياً من آلية مراقبة ميدانية إلى إطار تفاوض أمني – سياسي غير مباشر بين لبنان وإسرائيل.
فالاجتماع الأخير، الذي حمل الرقم الثاني عشر، أكد بوضوح أن الملف الأول على جدول أعمال اللجنة هو حصر السلاح جنوب الليطاني، وتنفيذ خطة الجيش اللبناني «بشكل شامل»، بحسب البيان الأميركي.
ويُفهم من السياق أن واشنطن، عبر أورتاغوس والجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، تدفع باتجاه تثبيت معادلة جديدة: «وقف عدائي مضبوط بسقف دولي، مقابل التزامات لبنانية محددة في الجنوب».
ومن هنا، يرى مراقبون أن «الميكانيزم» قد يتحوّل في الأشهر المقبلة إلى منصة تفاوض شبيهة بالمفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية، ولكن بغطاء أمني هذه المرة.
تصعيد بليدا… رسائل إسرائيلية مباشرة: النار في خدمة السياسة
توقيت الغارات والتوغّل في بليدا لم يكن مصادفة. فوفق تقديرات أوساط سياسية، يحمل التصعيد ثلاث رسائل إسرائيلية واضحة:
- ضغط تفاوضي قبيل توسيع ولاية «الميكانيزم»، لتسريع تطبيق بنود نزع السلاح جنوباً ودفع الدولة اللبنانية إلى خطوات عملية.
- تحجيم قدرات «حزب الله» ومنع إعادة انتشار قواته في محيط الليطاني، في ظل ما تسميه إسرائيل «منع إعادة التوليد للبنى القتالية».
- تحذير مبطّن للجيش اللبناني والوسطاء الدوليين، مفاده أنّ إسرائيل ستواصل العمل الميداني داخل لبنان إذا لم تُترجم التعهّدات إلى إجراءات ملموسة.
عملياً، الغارات الأخيرة تعيد إلى الأذهان النمط الذي تستخدمه إسرائيل منذ مطلع الصيف: هجمات محدودة – رسائل تفاوضية – ثم تهدئة مؤقتة، في سياق إدارة توازن بين النار والسياسة.
ترابط لبناني – غزّي… وتسوية واحدة بأوجه متعددة
ما يجري في لبنان لا يمكن فصله عن المشهد الفلسطيني. فالتفاهمات التي ترعاها واشنطن والقاهرة والدوحة لإنهاء الحرب في غزة، تقوم على تجميد الصراع بدل إنهائه، مع توزيع أدوار جديدة للقوى المحلية تحت إشراف أميركي – إقليمي مشترك.
وبحسب مصادر ديبلوماسية، يجري العمل على «نموذجين متوازيين»:
- غزة كنموذج إداري – أمني تحت قيادة أميركية (CENTCOM)
- لبنان كنموذج مراقبة وتنسيق تحت غطاء «الميكانيزم».
الوساطة المصرية تسعى إلى تجميع هذه الملفات في «سلة تسوية» أوسع تشمل لبنان، لتفكيك الجبهات المترابطة وفرض تهدئة شاملة في المشرق.
الأسابيع المقبلة: مفاوضات غير مباشرة ورسائل بالنار
السيناريو الأقرب خلال الفترة بين 30 و90 يوماً، وفق مصادر متابعة، يتمثل في:
- توسيع اجتماعات «الميكانيزم» وتسريع وتيرتها مع وضع خرائط تنفيذية لانتشار الجيش اللبناني في الجنوب.
- ربط الخطوات الميدانية اللبنانية بمسار هدنة غزة، في تبادل متوازٍ بين التهدئة وإعمار القطاع وضبط الحدود.
- استمرار الوساطة المصرية – الأميركية ترافقها رسائل إسرائيلية متقطعة لإبقاء الضغط قائماً ومنع أي فراغ تفاوضي.
خيارات الدولة اللبنانية: بين الخسارة والسيادة
أمام هذا المشهد المعقّد، على «صانع القرار اللبناني» أن يتعامل مع اللجنة بصفته شريكاً لا تابعاً .فالمطلوب:
- تحويل «الميكانيزم» إلى منبر سيادي رسمي، تُدار عبره كل الترتيبات بين الدولة اللبنانية والدول المعنية، وتُنفَّذ حصراً عبر قيادة الجيش.
- فصل المسارات الأمنية عن السياسية والاقتصادية، لضمان أن أي اتفاق أمني لا يتحوّل إلى تنازل في ملف الحدود أو الثروات.
- تفعيل التنسيق مع القاهرة وباريس وواشنطن لإبقاء القرار اللبناني داخل المظلّة الدبلوماسية الشرعية.
- وأخيراً، التحصين الميداني والإنساني للقرى الجنوبية في مواجهة نمط «التوغلات القصيرة والنيران الكثيفة»، مع توثيق كل الانتهاكات وإحالتها عبر القنوات الأممية.
بين ضغط الحرب وحلم الدولة
خلاصة القول، يقف لبنان اليوم على حدٍّ دقيق بين الحرب والتسوية. فالجنوب يغلي تحت وطأة الغارات، والشمال يختنق اقتصادياً، والدولة تُختبر في قدرتها على الإمساك بزمام السيادة دون الانزلاق إلى صدام أو وصاية جديدة.
لكن الفرصة لا تزال قائمة: إذا استطاع لبنان أن يحوّل «الميكانيزم» من أداة مراقبة إلى أداة سيادة، وأن يوظّف وساطة القاهرة وحضور باريس وواشنطن لمصلحة تثبيت حدوده وسلامه، فقد ينجح في تحويل النار المحيطة به إلى نافذة عبور نحو تسوية تحفظ له كرامته وكيانه.

د. محمد حلاوي
أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.
