على مدى عقود، عاش لبنان في ظل وهمٍ سياسي كبير. فقد تعاملت الحكومات المتعاقبة، والقيادات السياسية، والوسطاء الدوليون، مع ترسانة حزب الله العسكرية على أنها مسألة لبنانية داخلية يمكن حلّها مع الوقت عبر الحوار أو التسويات أو التطور السياسي التدريجي. إلا أن الوقائع أثبتت عكس ذلك.
واليوم، فيما يدخل لبنان مرحلة جديدة من المفاوضات والترتيبات الأمنية والانخراط الدولي، بات من الضروري مواجهة الحقيقة بوضوح وشجاعة. فالسؤال الأساسي الذي يواجه لبنان ليس ما إذا كان حزب الله يمتلك السلاح. السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع الجمهورية اللبنانية ممارسة سيادتها الكاملة فيما توجد على أراضيها منظمة عسكرية ترتبط استراتيجياً بقوة خارجية؟
لسنوات طويلة تمّ تجنب هذا السؤال. أما اليوم، فلم يعد بالإمكان تأجيله.
حزب الله والمرشد الأعلى
لا يزال هناك جدل بين الباحثين والمحللين حول حجم الاستقلالية التي يتمتع بها حزب الله. فالبعض يرى أن الحزب تطور ليصبح حركة سياسية لبنانية تمتلك هامشاً واسعاً من القرار الذاتي، بينما يرى آخرون أنه ما زال مرتبطاً بصورة جوهرية بالأهداف الاستراتيجية الإيرانية.
ومن وجهة نظري، فإن الوقائع لا تترك مجالاً كبيراً للالتباس. فقيادة حزب الله أعلنت مراراً وتكراراً التزامها بعقيدة ولاية الفقيه وولاءها للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهذه ليست تهمة يوجهها خصوم الحزب إليه، بل مبدأ يعلنه الحزب بنفسه.
وعليه، فإن المسألة ليست ما إذا كان الحزب يدير شؤونه المحلية أو يشارك في الانتخابات أو يقدم الخدمات الاجتماعية. المسألة الحقيقية هي: من يقرر الحرب والسلم؟ من يقرر إدخال لبنان في صراع إقليمي؟ من يقرر إطلاق الصواريخ؟ من يقرر قبول أو رفض وقف إطلاق النار؟ من يقرر المحافظة على القدرات العسكرية أو توسيعها أو التخلي عنها؟
إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة تقع خارج لبنان، فإن القضية لم تعد قضية لبنانية داخلية فحسب، بل تصبح قضية إقليمية ودولية بامتياز.
حزب الله ليس مشكلة لبنانية فقط
إن أحد أكبر الأخطاء التي ارتكبها اللبنانيون والمجتمع الدولي على حد سواء كان اعتبار حزب الله قضية داخلية لبنانية حصراً. فهذا التوصيف يتجاهل الواقع. وبسبب ارتباطاته العقائدية والعسكرية والمالية والاستراتيجية بإيران، لا يمكن النظر إلى حزب الله من زاوية داخلية فقط.
فدوره يتجاوز الحدود اللبنانية. وحساباته الاستراتيجية تتجاوز الحدود اللبنانية. وتحالفاته تتجاوز الحدود اللبنانية. وبالتالي فإن التحدي الذي يواجه لبنان يتجاوز هو أيضاً حدود لبنان. ولا يمكن لأي دولة مسؤولة أن تُطلب منها مواجهة تحدٍّ بهذا الحجم بمفردها.
دروس ثورة الأرز
لقد عاش لبنان تجربة مشابهة من قبل. فبعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وانطلاق ثورة الأرز، وقف العالم الحر إلى جانب لبنان وسيادته. وقدم المجتمع الدولي دعماً غير مسبوق لملايين اللبنانيين الذين طالبوا بالحرية والاستقلال واستعادة سلطة الدولة. وحققت قوى الرابع عشر من آذار إنجازات تاريخية، أبرزها انسحاب الجيش السوري من لبنان وحشد تأييد دولي واسع لصالح السيادة اللبنانية.
إلا أن خطأً استراتيجياً أساسياً ارتُكب في تلك المرحلة. فقد أصرت قيادات الرابع عشر من آذار باستمرار على اعتبار حزب الله قضية لبنانية داخلية يمكن معالجتها عبر الحوار الوطني والتفاهمات الداخلية. لكن النوايا الحسنة لم تكن كافية لتغيير الحقائق.
فالتحدي الذي كانت جذوره وتمويله وتسليحه ومرجعيته الاستراتيجية تمتد خارج لبنان لم يكن قابلاً للحل من خلال الحوار اللبناني وحده. وخلال سنوات الحوار، توسعت القدرات العسكرية لحزب الله، وتعاظم نفوذه، وترسخ موقعه داخل الدولة اللبنانية.
لقد قدم المجتمع الدولي كل أشكال الدعم الممكنة لثورة الأرز. لكن جزءاً أساسياً من المشروع السيادي فشل لأن العديد من قياداته تعاملوا مع تحدٍّ إقليمي ودولي وكأنه مجرد قضية لبنانية داخلية.
إن أحد أبرز أسباب عدم نجاح مشروع استعادة السيادة بعد ثورة الأرز كان رفض الاعتراف بالطبيعة الحقيقية للمشكلة. وهذا الدرس يجب ألا يُنسى اليوم.
معنى الاتفاق الأميركي – الإيراني
أعلنت الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى تفاهم تاريخي يهدف إلى إنهاء مرحلة خطيرة من المواجهة وفتح الباب أمام تسوية إقليمية أوسع. ووفقاً للمعلومات المتوافرة حتى الآن، يتضمن الاتفاق عناصر تتعلق بخفض التصعيد، وتخفيف العقوبات، وإعادة فتح الممرات البحرية الاستراتيجية، والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، والتزامات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
كما تشير المعطيات الأولية إلى أن هذا التفاهم قد يمتد ليشمل ترتيبات أوسع في المنطقة، ومن بينها لبنان. إلا أنه، وعلى الرغم من أهمية هذا التطور، تبقى حقيقة أساسية قائمة. فالعالم لا يعرف بعد النص الكامل للاتفاق. ولا يعرف جميع بنوده. ولا يعرف الالتزامات الدقيقة التي تعهد بها كل طرف. ولا يعرف آليات التنفيذ.
والأهم بالنسبة للبنان، أننا لا نعرف ما الذي تم الاتفاق عليه بشأن حزب الله ومستقبل البنية الأمنية في لبنان. وهذا الغموض يجب أن يقلق كل لبناني. فإذا كان حزب الله، كما يعتقد كثيرون، جزءاً من المنظومة الاستراتيجية الإقليمية لإيران، فإن أي تفاهم بين واشنطن وطهران ستكون له انعكاسات مباشرة على لبنان.
السؤال ليس ما إذا كان لبنان سيتأثر. السؤال هو: كيف سيتأثر؟ هل كان لبنان جزءاً من التفاهمات؟ هل تم التطرق إلى مستقبل سلاح حزب الله؟ هل أصبحت القرارات الدولية الخاصة بلبنان جزءاً من التسوية الإقليمية؟ هل وافقت إيران على إعادة تعريف دورها في لبنان؟ أم أن لبنان تُرك مرة جديدة لمواجهة تداعيات قرارات اتُخذت في أماكن أخرى؟
لا أحد يعرف الجواب حتى الآن. لكن ما نعرفه هو أن أي دولة ذات سيادة لا يجوز أن يكون مستقبلها رهينة مفاوضات تُعقد في عواصم أخرى. ومع ذلك، فهذا هو الخطر الذي يواجه لبنان اليوم.
لحظة الحقيقة للدولة اللبنانية
لقد أعلنت الدولة اللبنانية التزامها باستعادة سلطتها الكاملة وتنفيذ القرارات الدولية وتعزيز الجيش اللبناني وجعل المسؤولية الأمنية حصراً بيد المؤسسات الشرعية. وهذه ليست أهدافاً خلافية. بل هي التعريف الطبيعي لأي دولة.
لكن يبقى السؤال الحاسم: ماذا لو رفض حزب الله الترتيبات التي توافق عليها الدولة اللبنانية؟ هل تمتلك الحكومة الشجاعة السياسية للمضي في التنفيذ؟ هل ستطلب دعم المجتمع الدولي؟ هل ستتوافر الإرادة الدولية اللازمة لضمان نجاح لبنان؟ وهل ستكون الولايات المتحدة وحلفاؤها مستعدين لتقديم الدعم السياسي والمالي والعسكري والعملياتي اللازم للجيش اللبناني؟ وإذا اقتضت الظروف، هل سيكونون مستعدين للانتقال من الدعم السياسي إلى الدعم الميداني لضمان تنفيذ الاتفاقات؟
هذه لم تعد أسئلة نظرية. بل هي أسئلة يتوقف عليها مستقبل لبنان.
خطر تكرار الخطأ نفسه
هناك درس آخر يجب ألا تنساه القيادة اللبنانية الحالية. فعلى مدى سنوات طويلة، وتحت شعارات الحفاظ على الاستقرار أو تجنب المواجهة أو تلميع صورة حزب الله أمام المجتمع الدولي، قبل العديد من السياسيين اللبنانيين بتسويات أدت تدريجياً إلى تطبيع وجود قوة عسكرية خارج سلطة الدولة.
وكان الهدف المعلن هو احتواء حزب الله. لكن النتيجة كانت معاكسة تماماً. فما بدأ كتسويات مؤقتة تحول إلى هيمنة. وما قُدم على أنه تعايش أصبح سيطرة. خطوة بعد خطوة، ومؤسسة بعد مؤسسة، وقراراً بعد قرار، توسع نفوذ حزب الله حتى أصبح القوة الأكثر تأثيراً في قطاعات واسعة من الحياة السياسية والأمنية اللبنانية.
إن محاولة تلميع صورة حزب الله أمام العالم سمحت له عملياً بالسيطرة على الدولة ومفاصلها. وقد دفع لبنان ثمناً باهظاً نتيجة الخلط بين بناء الدولة وبين التكيف مع واقع السلاح الخارج عن الدولة.
واليوم، تقع على عاتق الإدارة اللبنانية الحالية مسؤولية تاريخية. يجب ألا تكرر أخطاء الماضي. ويجب ألا تعتمد الصيغ التي أثبتت فشلها. ويجب ألا تؤجل القرارات الصعبة أملاً بأن يحل الزمن المشكلة.
فالهدف ليس تحسين صورة حزب الله. الهدف هو استعادة سلطة الدولة اللبنانية.
السيادة تحتاج إلى شراكة
إن استعادة السيادة اللبنانية مسؤولية لبنانية أولاً. لكنها ليست مسؤولية لبنانية حصراً. فالتحدي الذي نشأ نتيجة عقود من الصراعات الإقليمية والتدخلات الخارجية لا يمكن للبنان أن يحله وحده.
ومن يطالب لبنان باستعادة سيادته عليه أن يساعده على تحقيق ذلك. فلا يمكن للمجتمع الدولي أن يطالب بالتنفيذ وأن يمتنع في الوقت نفسه عن توفير الوسائل اللازمة للتنفيذ.
لبنان أمام امتحان التاريخ
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، قد تتاح للبنان فرصة حقيقية لاستعادة المبدأ الذي تقوم عليه جميع الدول ذات السيادة: دولة واحدة. جيش واحد. سلطة واحدة. وقرار واحد في الحرب والسلم. هذا ليس موقفاً ضد طائفة أو حزب أو فئة من اللبنانيين، بل هو موقف لصالح الدولة اللبنانية.
غير أن لبنان يجب أن يواجه الحقيقة التي رفض كثيرون الاعتراف بها في الماضي. فإذا كان حزب الله ما زال مرتبطاً بالقرار الاستراتيجي الإيراني، فلا يمكن اعتباره مجرد قضية لبنانية داخلية. وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمكن مطالبة لبنان بحل المشكلة بمفرده.
على الدولة اللبنانية أن تقوم بواجبها. وعلى المجتمع الدولي أن يقوم بواجبه. وعلى جميع الداعمين لسيادة لبنان أن يدركوا أن السيادة لا تُستعاد بالبيانات والخطابات، بل بالشجاعة السياسية والرؤية الاستراتيجية والالتزام الدولي المستدام.
الأشهر المقبلة قد تحدد ما إذا كان لبنان سيصبح أخيراً دولة يقرر مستقبلها أبناؤها في بيروت، أم سيبقى ساحة تتقرر مصائرها في عواصم أخرى. اللحظة تقترب. والتاريخ سيحكم على الجميع.

طوني نيسي
رئيس لجنة متابعة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة بلبنان.
