«السلام يحتاج إلى السيادة… والسيادة تحتاج إلى الدولة». تلك ليست عبارة بلاغية، بل مبدأ سياسي وقانوني يجب أن يشكّل الأساس لأي نقاش حول مستقبل لبنان.
ففي الوقت الذي تمضي فيه الولايات المتحدة وإيران في مسار دبلوماسي جديد، ينصبّ اهتمام العالم على البرنامج النووي الإيراني، وخفض التصعيد الإقليمي، ومنع اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط. وهي أهداف مشروعة، بل إن كل جهد دبلوماسي يخفف من احتمالات الحرب ويؤسس للاستقرار يستحق الدعم.
إلا أن سؤالاً جوهرياً يكاد يغيب عن النقاش: هل يمكن أن يتحقق سلام مستدام في الشرق الأوسط فيما لا تزال الدولة اللبنانية عاجزة عن ممارسة سيادتها الكاملة على كامل أراضيها؟
في رأيي، الجواب واضح: لا.
لقد اعتاد المجتمع الدولي، طوال عقود، النظر إلى لبنان من خلال صراعات الآخرين: إيران، وإسرائيل، وسوريا، وحزب الله. غير أن هذه المقاربة، على الرغم من واقعيتها، أغفلت جوهر الأزمة اللبنانية. فالمشكلة الحقيقية ليست في موقع لبنان داخل الصراع الإقليمي، بل في التراجع المستمر لسلطة الدولة اللبنانية نفسها.
لا يمكن لأي جمهورية أن تستقر إذا لم تكن مؤسساتها الدستورية وحدها صاحبة القرار في شؤون الحرب والسلم، والسياسة الخارجية، وأمن الحدود، واحتكار السلاح المشروع. ومن هنا، يجب أن تنطلق أي مبادرة دبلوماسية تتعلق بلبنان من مبدأ واحد: السلام يحتاج إلى السيادة… والسيادة تحتاج إلى الدولة.
وهذا ليس موقفاً سياسياً لفريق دون آخر، بل هو جوهر النظام الدستوري اللبناني. فالدستور اللبناني يؤكد حصرية السلطة بيد الدولة، واتفاق الطائف جاء لإعادة بناء هذه السلطة بعد الحرب الأهلية، فيما كرست قرارات مجلس الأمن الدولي 1559 و1680 و1701 هذا الهدف باعتباره التزاماً دولياً واضحاً.
وينبغي ألا تُقرأ هذه القرارات كلٌّ على حدة، بل كمنظومة متكاملة لإعادة بناء الدولة اللبنانية. فهي تؤكد بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وضبط الحدود الدولية، وتعزيز دور الجيش اللبناني، وحصر السلاح والقرار الأمني والعسكري بمؤسسات الدولة وحدها.
لقد مضى أكثر من عشرين عاماً على صدور القرار 1559، ولا تزال هذه الأهداف بعيدة عن الاكتمال. وليس السبب غياب النصوص القانونية. وليس السبب نقص المبادرات الدبلوماسية. بل لأن المجتمع الدولي فضّل، في كثير من الأحيان، إدارة الأزمات بدلاً من معالجة أسبابها.
جرى التوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار. وجرى احتواء التصعيد. وتراجعت المواجهات مؤقتاً. لكن الخلل البنيوي داخل الدولة اللبنانية بقي على حاله. ولهذا، كانت كل أزمة تمهد للأزمة التي تليها.
ومن أكثر الأخطاء شيوعاً النظر إلى حزب الله من زاوية واحدة. فهو ليس مجرد حزب سياسي لبناني. وليس مجرد ذراع إقليمية لإيران. إنه الاثنان معاً. فهو فاعل سياسي داخل لبنان، وفي الوقت نفسه يشكل جزءاً من المنظومة الأمنية والإستراتيجية الإيرانية في المنطقة. وتجاهل أي من هذين البعدين يقود إلى سياسات ناقصة.
كما يفسر لماذا لا يستطيع لبنان وحده معالجة هذه القضية. لكن هذا لا يعني أن يتولى الآخرون إدارة لبنان. بل يعني أن يساعد المجتمع الدولي الدولة اللبنانية على استعادة دورها الطبيعي.
وهنا لا بد من توضيح نقطة أساسية كثيراً ما يجري تجاهلها: إن تنفيذ قرارات مجلس الأمن 1559 و1680 و1701 ليس مطلباً إسرائيلياً، ولا مطلباً أميركياً. إنه التزام قانوني دولي وافق عليه لبنان نفسه. وعليه، فإن استعادة سيادة الدولة اللبنانية ليست تنازلاً لأي دولة، بل هي تنفيذ للدستور اللبناني وللالتزامات الدولية التي قبلتها الجمهورية اللبنانية بإرادتها.
وهذا يتطلب دعماً سياسياً واقتصادياً وأمنياً ودبلوماسياً مستداماً للدولة اللبنانية. لكن الدعم شيء… والوصاية شيء آخر.
لقد عرف لبنان الوصاية السورية. وعانى من النفوذ الإيراني. واختبر مراراً نتائج تحوّل القرار الوطني إلى امتداد لصراعات إقليمية. وفي كل مرة كانت النتيجة واحدة: دولة أضعف، مؤسسات أكثر هشاشة، اقتصاد أكثر انهياراً، ومجتمع أكثر انقساماً.
إن استبدال وصاية بأخرى ليس حلاً. بل هو إعادة إنتاج للفشل نفسه. ومن هنا، فإن أي تفاهم أميركي ـ إيراني جديد يمثل في الوقت نفسه فرصة واختباراً. فإذا أدى إلى تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، وإلى تسهيل تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، فسيكون نقطة تحول حقيقية للبنان والمنطقة. أما إذا تحول لبنان إلى مجرد بند في تفاهمات إقليمية أوسع، فإن نجاح اليوم لن يكون سوى تأجيل لأزمة الغد.
إن إدارة ملف حزب الله ليست هي استعادة لبنان. الأولى هدف تكتيكي. أما الثانية فهي ضرورة إستراتيجية.
لقد أكدت الولايات المتحدة مراراً دعمها لسيادة لبنان واستقلاله. واليوم، آن الأوان لترجمة هذا الموقف إلى سياسة واضحة تقوم على خمس ركائز:
- التأكيد بصورة لا لبس فيها أن المؤسسات الدستورية اللبنانية وحدها تمتلك حق اتخاذ القرار في مسائل الحرب والسلم والأمن القومي.
- جعل تنفيذ قرارات مجلس الأمن 1559 و1680 و1701 جزءاً أساسياً من أي ترتيبات إقليمية جديدة، وليس ملفاً مؤجلاً إلى مرحلة لاحقة.
- الاستمرار في دعم الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة العسكرية الشرعية الوحيدة المخولة الدفاع عن لبنان وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيه.
- دعم ضبط الحدود اللبنانية مع سوريا وإسرائيل بما يعزز سيادة الدولة ويمنع انتقال السلاح خارج الأطر القانونية.
- توجيه كل الجهود الدولية نحو تقوية مؤسسات الجمهورية اللبنانية، لا نحو التكيف مع واقع تفرضه قوى مسلحة تعمل خارج إطار الدولة.
هذه ليست مطالب سياسية لفريق لبناني. إنها متطلبات قيام الدولة نفسها. وهي تخدم جميع اللبنانيين، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الدينية. كما أنها تخدم المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة وللمجتمع الدولي.
فلبنان القوي يصدر الاستقرار. أما لبنان الضعيف فيصدر الأزمات.
لقد عرف الشرق الأوسط عشرات اتفاقات وقف إطلاق النار. لكنه عرف عدداً قليلاً جداً من التسويات السياسية المستدامة. والفرق بينهما ليس عدد الاتفاقات، بل قوة الدولة التي تنفذها.
إن نجاح أي مسار دبلوماسي جديد لا ينبغي أن يقاس فقط بمنع حرب جديدة. بل بقدرته على إعادة بناء الدول وتعزيز سيادتها. فلبنان يستحق أن يكون جمهورية كاملة السيادة، تحتكر فيها الدولة وحدها القرار الأمني والعسكري، ويحمي الجيش وحده الحدود، وتحدد المؤسسات الدستورية وحدها السياسة الوطنية، بعيداً عن حسابات القوى الإقليمية أو الدولية.
إن هذا الهدف ليس مصلحة لبنانية فحسب. إنه أيضاً مصلحة أميركية، ومصلحة شرق أوسطية، ومصلحة لكل من يؤمن بأن السلام الحقيقي لا يُبنى إلا على دول ذات سيادة كاملة، ومؤسسات قوية، وحكم يقوم على سيادة القانون.
ولا يمكن لدولة أن تكون سيدة إذا كان قرار الحرب خارج مؤسساتها، ولا يمكن لشعب أن يكون حراً إذا كانت سيادته موضع تفاوض بين الآخرين. إن مستقبل لبنان لن يُبنى في العواصم الإقليمية أو الدولية، بل في بيروت، عندما تستعيد الدولة حقها الحصري في تمثيل الأمة، ويستعيد اللبنانيون ثقتهم بجمهوريتهم.
فالسلام يحتاج إلى السيادة.
والسيادة تحتاج إلى الدولة.
والدولة لا تقوم إلا عندما يكون قرارها واحداً، وسلاحها واحداً، وتمثيلها واحداً أمام شعبها وأمام المجتمع الدولي.

طوني نيسي
رئيس لجنة متابعة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة بلبنان.
