اتفاق مكة بين الجغرافيا السياسية وحسابات القوة… هل يصنع شرقًا أوسطَ جديدًا؟

لا يمكن قراءة اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان باعتباره مجرد اتفاق عسكري جديد في منطقة تعجّ بالتحالفات والتفاهمات الأمنية؛ فمثل هذه الاتفاقات في الشرق الأوسط لا تُقاس فقط بعدد الدول الموقّعة عليها أو بحجم قواتها المسلحة، وإنما بقدرتها على تجاوز التعقيدات الجيوسياسية التي تحكم حركة القوة والمصالح في المنطقة.

ومن وجهة نظري، بوصفي باحثًا في الجغرافيا السياسية، فإن اتفاق مكة يحمل أهمية واضحة، لكنه يواجه، في الوقت نفسه، مجموعة من نقاط الضعف الجغرافية والاستراتيجية التي قد تحدّ من قدرته على التحول إلى منظومة دفاع إقليمية متماسكة.

تمثّل السعودية قلب الجزيرة العربية، وتمتلك موقعًا استثنائيًا يجمع بين البحر الأحمر والخليج العربي وباب المندب، فضلًا عن قربها من مسارح الصراع في العراق واليمن وبلاد الشام. أما تركيا، فتقع عند نقطة اتصال بين آسيا وأوروبا، وتتحكم في ممرات جغرافية بالغة الأهمية، في حين تقع باكستان على الطرف الشرقي من المجال الإسلامي، في مواجهة الهند، وبالقرب من بحر العرب والمجال الجيوسياسي لجنوب آسيا.

وهنا تظهر أولى الملاحظات الجيوسياسية.

فالقوة لا تكمن دائمًا في حجم الدولة، وإنما في قدرتها على الاتصال الجغرافي بمسرح العمليات.

والدول الثلاث لا تشكّل كتلة جغرافية متصلة؛ إذ تفصل بينها مسافات شاسعة، كما أن الممرات البحرية والجوية الرابطة بينها تمرّ عبر مناطق تخضع لحسابات دول أخرى. ولذلك، فإن الانتقال من الاتفاق السياسي إلى منظومة دفاع جماعي فاعلة يحتاج إلى بنية لوجستية، وشبكات اتصالات، وقواعد وتمركز عسكري، وآليات قيادة مشتركة.

وهذه نقطة ضعف لا ينبغي تجاهلها.

ففي حال نشوب أزمة عسكرية واسعة، لن يكون السؤال مقتصرًا على ما إذا كانت الدول الثلاث ستدافع عن بعضها بعضًا، وإنما سيمتد إلى كيفية انتقال القوات، والجهات التي ستنطلق منها، والممرات التي ستعبرها، وطبيعة القواعد التي ستستخدمها، والجهة التي تملك قرار التحرك. ويُطرح كذلك سؤال عما إذا كانت المنظومة تستطيع الاستجابة السريعة لأزمة تقع في الخليج، في حين تمتد مصالح أحد أطرافها إلى البحر الأسود أو بحر العرب.

الجغرافيا هنا تفرض نفسها على السياسة.

وهناك أيضًا اختلاف كبير في الأولويات الأمنية للدول الثلاث؛ فالسعودية تنظر بصورة أساسية إلى أمن الخليج والبحر الأحمر، وحماية منشآتها الحيوية وممرات الطاقة. أما تركيا، فلديها حسابات مرتبطة بالبحر الأسود وسوريا والعراق وشرق المتوسط وحلف شمال الأطلسي «الناتو». وفي المقابل، تبقى الهند وأمن جنوب آسيا في قلب العقيدة الاستراتيجية الباكستانية.

وهذا يعني أن الاتفاق يجمع ثلاث قوى مهمة، لكنه لا يجمع، بالضرورة، ثلاث خرائط أمنية متطابقة.

ومن أخطر نقاط الضعف أيضًا أن أي منظومة دفاع جماعي تحتاج إلى تعريف واضح للتهديد. فمن هو العدو الذي يستدعي تفعيل الاتفاق؟

إذا كان الاتفاق دفاعيًا ولا يستهدف دولة بعينها، فإن هذه الصيغة تمنحه مساحة سياسية أوسع، لكنها تترك، في الوقت نفسه، سؤالًا استراتيجيًا مهمًا من دون إجابة واضحة؛ فالردع يحتاج إلى معرفة الخصم المحتمل وحدود الرد عليه.

وهنا تستعيد الذاكرة التاريخية أحد أكثر الأحداث حساسية في العلاقات السعودية الباكستانية.

ففي عام 1979، شهد الحرم المكي حادثة اقتحام وتمرد مسلح، وانتهت العملية بعد تدخل قوات سعودية، بمساندة عناصر وقوات باكستانية وفرنسية، وفق روايات تاريخية متعددة. وتظل تلك الواقعة حاضرة في الذاكرة السياسية والأمنية للمنطقة، ليس باعتبارها حدثًا عسكريًا فحسب، وإنما بوصفها تجربة كشفت مدى حساسية الأمن داخل أقدس الأماكن الإسلامية.

إن استدعاء أحداث عام 1979 اليوم لا يعني التشكيك في طبيعة العلاقات السعودية الباكستانية، ولا يعني أن الظروف الحالية تشبه تلك المرحلة، لكنه يذكّر بأن التعاون العسكري بين الدول لا ينفصل عن الذاكرة الاستراتيجية، وأن الأدوار العسكرية في السعودية لها تاريخ طويل تتداخل فيه اعتبارات الأمن والسيادة وحساسية الجغرافيا الدينية.

ومن هنا، أرى أن نجاح اتفاق مكة لن يتوقف على قوة الجيوش الثلاثة فحسب، بل على قدرة الدول الموقّعة على بناء منظومة قيادة مشتركة، وتحديد مفهوم واضح للتهديد، ووضع آليات دقيقة لاتخاذ القرار في حالات الطوارئ.

أما تركيا، فتمتلك ميزة مهمة تتمثل في صناعاتها الدفاعية المتقدمة، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة والسفن والأنظمة العسكرية. وتمتلك باكستان خبرة عسكرية واسعة، وموقعًا استراتيجيًا مهمًا، وقدرات نووية. كما تمتلك السعودية ثقلًا اقتصاديًا، وموقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، وقدرة متنامية على الاستثمار في مجالي الدفاع والتكنولوجيا.

لكن جمع عناصر القوة لا يعني تلقائيًا إنتاج قوة استراتيجية موحّدة.

فالقوة الحقيقية تظهر عندما تتحول القدرات المتفرقة إلى منظومة واحدة تعمل وفق عقيدة مشتركة، وقيادة موحّدة، وشبكة استخبارات واتصالات، وقواعد إمداد قادرة على العمل في بيئة حرب حقيقية.

ومن زاوية أخرى، فإن الاتفاق قد يمثّل بداية تحوّل أوسع في مفهوم الأمن الإقليمي؛ فالشرق الأوسط ظلّ لعقود يعتمد، بدرجات متفاوتة، على المظلات الأمنية للقوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. أما اليوم، فتبدو بعض القوى الإقليمية أكثر رغبة في امتلاك أدوات مستقلة للردع، من دون قطع علاقاتها بواشنطن أو بالقوى الدولية الأخرى.

وهذا هو التطور الأهم في رأيي.

فنحن أمام انتقال تدريجي من أمن للشرق الأوسط تصنعه القوى الكبرى إلى أمن تشارك القوى الإقليمية في صياغته.

لكن هذا التحول لن يكون سهلًا؛ فالمنطقة ليست كتلة سياسية واحدة، والجغرافيا فيها تفرض اختلافات عميقة في المصالح. كما أن التنافس السعودي الإيراني، والتوترات في الخليج، والصراع في البحر الأحمر، والأوضاع في سوريا والعراق، والتنافس التركي في شرق المتوسط، والتوتر الهندي الباكستاني، كلها عوامل تجعل بناء منظومة أمنية متماسكة مهمة شديدة التعقيد.

لذلك، فإن اتفاق مكة قد يكون خطوة مهمة، لكنه ليس حلفًا مكتمل الأركان بعد.

وقد يكون من الأدق النظر إليه باعتباره محاولة لإعادة توزيع مصادر القوة داخل الشرق الأوسط، بحيث لا تبقى الدول الإقليمية مجرد أطراف تنتظر الحماية من الخارج، وإنما تتحول تدريجيًا إلى أطراف قادرة على إنتاج جزء من أمنها بنفسها.

وفي الجغرافيا السياسية، لا توجد قوة بلا جغرافيا، ولا يوجد تحالف ناجح إذا عجز عن تحويل الجغرافيا من مصدر ضعف إلى مصدر قوة.

ومن هنا، سيكون الاختبار الحقيقي لاتفاق مكة هو قدرته على بناء جسور استراتيجية بين ثلاث خرائط متباعدة، وتحويل اختلاف المصالح إلى تكامل، وتحويل المسافات الجغرافية إلى شبكة اتصال عسكرية وأمنية قادرة على العمل في أوقات الأزمات.

إذا نجحت الدول الثلاث في ذلك، فقد نكون أمام بداية تحول حقيقي في النظام الأمني للشرق الأوسط.

أما إذا بقي الاتفاق إطارًا سياسيًا من دون بنية عسكرية ولوجستية ومؤسسية واضحة، فقد يظل مجرد اتفاق مهم في لحظة إقليمية مضطربة، من دون أن يتحول إلى القوة الاستراتيجية التي يتحدث عنها البعض.

وفي الحالتين، فإن اتفاق مكة يكشف حقيقة أكبر من الاتفاق نفسه، وهي أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تبحث فيها دوله عن مساحة أوسع من الاستقلال الاستراتيجي، في عالم لم تعد فيه القوة تُقاس بالسلاح وحده، وإنما بالموقع والجغرافيا والاقتصاد والتكنولوجيا والقدرة على التحكم في الممرات الاستراتيجية.

وهنا تكمن أهمية الجغرافيا السياسية التي كثيرًا ما تُهمَل عند قراءة التحالفات العسكرية؛ فالدول قد توقّع الاتفاقات في قاعات السياسة، لكن مصيرها الاستراتيجي يُختبر دائمًا على خرائط الجغرافيا.

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.