منذ اللحظة الأولى التي كُشف فيها عن مشروع «ذا لاين»، في السعودية بدا وكأنه إعلان عن ولادة مدينة خارجة من مخيلة المستقبل: خط مستقيم يمتد مئات الكيلومترات فوق صحراء قاحلة، جداران عملاقان من المرايا يبتلعان الأفق، وحياة رقمية تعيد تعريف علاقة الإنسان بالمكان والزمن. كان المشروع أشبه بمانيفستو لعصر سعودي جديد، ورمزًا لطموح يصعد بلا سقف تحت مظلة «رؤية 2030».
لكن ما بين الصورة اللامعة والواقع الميداني، بدأ الشرخ يتسع عامًا بعد عام، حتى بات السؤال مطروحًا بجدية اليوم: هل مات المشروع قبل أن يولد؟
كان من المفترض أن يستوعب «ذا لاين» ما يصل إلى تسعة ملايين نسمة، وأن تنتقل أولى الدفعات السكانية إليه خلال منتصف العقد. غير أن السنوات الثلاث الماضية كشفت تحوّلات عميقة: نطاق المشروع تقلّص من مدينة تمتد 170 كيلومترًا إلى مجموعات محدودة من الإنشاءات في موقع واحد، هو ما يُعرف بـ«المارينا المخفية». الخطة الطموحة التي تحدثت عن عشرين وحدة عمرانية تقلّصت إلى سبع، ثم إلى ثلاث فقط. هذا الانكماش لا يعكس مجرد إعادة ترتيب أولويات، بل يكشف عن ارتطام الحلم بجدار الحقيقة.
السبب الأول لهذا الارتطام هو العبء المالي الهائل. فالتكاليف التي بدأت بتقديرات متواضعة نسبيًا، تضخمت على نحو غير مسبوق، وابتلعت كل سقف تم وضعه لها. ومع تضاعف الأرقام عامًا بعد عام، دخل المشروع منطقة ضبابية بين الاستثمار والمغامرة، وبين الطموح واللامعقول. تساءل البعض داخل دوائره وخارجها عن جدوى مشروع يتطلب ميزانيات فلكية دون مؤشرات واضحة على العائد.
أما الثمن البشري، فكان أكثر حدة. عمليات هدم لمناطق سكنية قديمة، نزاعات مع سكان محليين، تقارير عن اعتقالات ومحاكمات، وشهادات لاحقة عن ظروف عمل قاسية للعمال الأجانب. سواء صحت الأرقام التي جرى تداولها أم لا، فإن حضورها في المشهد يكفي ليكشف حجم الاضطراب في مشروع يُفترض أنه يبشر بمستقبل أكثر إنسانية.
في الميدان، تبدو الصورة مختلفة جذريًا عن المشاهد البصرية التي ملأت الإعلام. تتكدس الجرافات في نطاق محدود، بينما بقيت المسافات الشاسعة التي قيل إنها ستكون محور المدينة الجديدة صامتة تحت الشمس. أجزاء واسعة من المشروع دخلت حالة تجميد، والسكك الحديدية التي كانت ستربطه ببقية نيوم أوقِفت، فيما تُعاد صياغة الهدف نحو هياكل صغيرة محيطة بالمارينا.
وهكذا يتبدل السؤال من: متى تُبنى ذا لاين؟ إلى: هل كانت قابلة للبناء أصلًا؟
قد يبقى المشروع علامة على عصر فكّر بجرأة غير مسبوقة، لكنه سيكون أيضًا درسًا في أن المستقبل لا يُشيَّد بالقفز فوق قوانين الاقتصاد والجغرافيا والبشر. المدن لا تولد من فراغ، ولا تنمو داخل أنابيب زجاجية منفصلة عن الواقع، بل تحتاج توافقًا مع البيئة، ومع الناس، ومع حدود الإمكان.
في النهاية، قد تحفظ الصحراء الحلم مثلما حفظت آثار مدن اندثرت قبل آلاف السنين. وربما تبقى «ذا لاين» شاهدًا على محاولة كبرى طمحت لكسر المستحيل، لكنها في النهاية اصطدمت بما هو أقدم وأقوى: الأرض نفسها…

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
