إيران – تحولات وعقيدة: هل دخلت مرحلة الحرب الإقليمية؟

التداعيات على دول الخليج العربي ودول حوض المتوسط، وبخاصة على لبنان؟

منذ الحرب العالمية الأولى، مرّت إيران بتحولات سياسية وديموغرافية عميقة: من ثورة دستورية مبكرة، إلى حكم رضا بهلوي والتحديث القسري، إلى تأميم النفط في عهد مصدّق وانقلاب عام 1953، ثم الثورة الإسلامية بقيادة الخميني عام 1979 التي أنشأت نظام ولاية الفقيه، وصولاً إلى الجمهورية الإسلامية الحالية، مع صراعات داخلية بين التيارات المحافظة والإصلاحية. وبغضّ النظر عن الانخفاض الحاد في معدلات الخصوبة، فقد قفز عدد السكان من 10 ملايين نسمة إلى ما يقارب 93 مليوناً حالياً، لكن البلاد ما زالت تواجه تحديات هوية مع أقليات عرقية مثل الأكراد والعرب والبلوش.

ومنذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، خاضت إيران حروباً ومواجهات عسكرية محدودة، كان أبرزها الحرب مع العراق التي استمرت ما يقارب ثماني سنوات وانتهت بقبول قرار مجلس الأمن رقم 598 القاضي بوقف إطلاق النار. ثم شهدت عدة مواجهات مع الولايات المتحدة الأميركية، بدءاً من إسقاط طائرة تجسس عام 2011 بواسطة صواريخ إلكترونية، والضربة الصاروخية على قاعدة عين الأسد العسكرية في العراق عام 2020 رداً على اغتيال قاسم سليماني، وصولاً إلى حرب الظل مع الكيان الإسرائيلي المتمثلة في سلسلة اغتيالات وهجمات سيبرانية. كما انخرطت في حروب بالوكالة عبر تدخلها في سوريا لمنع سقوط نظام بشار الأسد، من خلال بناء قوة برية بواسطة حزب الله و«الفاطميون» و«الزينبيون». إلا أنها منيت بخسائر بشرية كبيرة نتيجة الضربات الإسرائيلية المتكررة، كما اتسع نطاق الفساد وبرز ضعف السيطرة داخل وكلائها.

وكانت آخر هذه المواجهات مع الحركات الانفصالية الكردية. فقد نجحت إيران في ردع الأكراد وإجبارهم على الانسحاب من الحدود، إلا أن الإخفاقات تمثلت في استمرار احتجاجات الأقليات (الأكراد والعرب والبلوش)، وصعوبة فرض السيطرة الكاملة على المناطق المضطربة.

أما إذا أخذنا بعين الاعتبار التصعيد المستجد والخطير الذي بدأ في الثامن والعشرين من شهر شباط (فبراير) المنصرم باغتيال علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن مجمل المعطيات تشير إلى أن إيران والمنطقة قد انتقلتا إلى مرحلة صراع عسكري واسع النطاق، وأن حرباً إقليمية شاملة – حتى الآن – باتت تلوح في الأمد المنظور، لكنها تحمل في طياتها مخاطر تمدد كبيرة ربما تقود إلى حرب عالمية ثالثة. وهذا ما ستحدده الأيام القليلة القادمة.

في ما يلي قراءة مقتضبة توضح كيف أن التجارب التاريخية والتركيبة السكانية قد صاغتا العقيدة العسكرية الحالية لإيران.

من التاريخ الديموغرافي إلى عقيدة “الحرب بالوكالة”

إن التحديث القسري في عهد بهلوي، ثم الثورة الإسلامية، خلقا مجتمعاً متحفزاً لكنه مثقل بتحديات هوية الأقليات (الأكراد والعرب والبلوش). عسكرياً، كان من الممكن أن يشكل هذا التنوع نقطة ضعف لو لم يُدار بحذر. لذلك استثمرت إيران في الحروب بالوكالة (في سوريا والعراق واليمن)، ليس فقط كخيار استراتيجي، بل أيضاً كوسيلة لتصدير التوتر إلى خارج حدودها وتحويل التحديات الداخلية إلى نفوذ خارجي.

وعلى الصعيد الديموغرافي، فإن النمو السكاني الهائل (من 10 ملايين إلى 93 مليوناً) وفّر «وقوداً بشرياً» محتملاً للحروب. غير أن إيران تعلّمت من خسائر حرب الثماني سنوات (1980 – 1988) مع العراق أن الحروب التقليدية المباشرة مكلفة جداً، فتحولت تدريجياً إلى حروب غير متماثلة تعتمد على التكنولوجيا والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة.

من التجارب العسكرية إلى استراتيجية “الصمود”

لم تحقق إيران نصراً حاسماً في أي حرب كلاسيكية. فحربها مع العراق انتهت بلا غالب ولا مغلوب، لكنها في المقابل لم تُهزم أيضاً. إن هذا المزيج من الإنجازات والإخفاقات – كما سيُبيَّن لاحقاً – أنتج عقلية دفاعية تعتمد على الردع والهجوم غير المباشر عبر الوكلاء.

وعلى صعيد الجغرافيا السياسية، فإن خبرة إيران في الصمود أمام العراق طوال ثماني سنوات غذّت ثقتها بقدرتها على الصمود أمام الولايات المتحدة الأميركية والكيان الإسرائيلي. واليوم تدرك إيران جيداً أنها لا تستطيع الفوز في حرب تقليدية سريعة، لكنها تراهن على استنزاف الخصم في حرب طويلة الأمد.

هل إيران قادرة على الصمود؟

حتى اللحظة، ما زال الصراع محصوراً في الشرق الأوسط، وأطرافه الرئيسية هي الولايات المتحدة الأميركية والكيان الإسرائيلي في مواجهة إيران. فالضربات لم تعد تقتصر على أهداف محدودة، بل طالت بنى تحتية وقيادات عليا، وتركزت على تدمير القدرات النووية والعسكرية الإيرانية وإضعاف النظام.

ومع ذلك، فإن ما يجري لا يرقى – حتى الآن – إلى مستوى الغزو الشامل. كما لم نشهد حتى هذه اللحظة تورطاً مباشراً لقوى كبرى مثل روسيا أو الصين إلى جانب إيران بشكل عسكري واضح، وهو ما يبقي الصراع – في الوقت الراهن – ضمن الإطار الإقليمي للحرب.

بناءً على المعطيات السابقة، تتلخص قدرة إيران على الصمود كما يأتي:

  • نقاط القوة (المستخلصة من الإنجازات): تتمتع إيران بعمق استراتيجي وبشري؛ فـ93 مليون نسمة يمنحونها قدرة على تعويض الخسائر (رغم تراجع الخصوبة). كما أنها تمتلك ترسانة متنوعة، من برنامج صواريخ بالستية، وصواريخ جوالة، وصواريخ فرط صوتية، إلى عدد هائل من المسيّرات. وقد استفادت في تطوير هذه الترسانة من خبرات حربها مع العراق والحرب في سوريا. كما تعتمد إيران على شبكة من الوكلاء الإقليميين، من حزب الله إلى الحوثيين، وميليشيات العراق التي تُعد نتاجاً مباشراً لاستراتيجيتها بعد حرب السنوات الثماني.
  • مواطن الضعف (المستخلصة من الإخفاقات): هناك اختراق أمني واضح في النظام الإيراني، من اغتيال علماء نوويين إلى اغتيال كبار القادة العسكريين في الحرس الثوري، وصولاً إلى اغتيال المرشد الأعلى، مما يُظهر أن العمق الإيراني ليس محصناً بالكامل. كما أن البلاد تعاني من هشاشة اقتصادية؛ فالعقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي تُضعف القدرة على تمويل حرب طويلة الأمد. وبما أن لديها فعالية محدودة في الردع، فإن هجوم نيسان (أبريل) 2024 على الكيان الإسرائيلي أظهر أن ترسانة إيران الصاروخية والمسيّرات يمكن اعتراضها بدرجة كبيرة، وهو ما يظهر حالياً خلال أيام قليلة من الهجمات على دول الخليج العربي.

كم سيستغرق مسار الحرب؟

مسار الحرب لن يكون أسابيع ولا أشهراً، بل سنوات، وذلك للأسباب التالية:

  • عقيدة حرب الظل: فإيران والكيان الإسرائيلي يتحاشيان المواجهة المباشرة حتى الآن (كما حدث في الاغتيالات والضربات المتبادلة)، مما يعني أن الحرب ستستمر كسلسلة من الضربات الخاطفة والهجمات السيبرانية لعقود.
  • عامل الردع النووي: حتى لو لم تعلن إيران امتلاكها لقنبلة نووية حالياً، فإن قربها من العتبة النووية يجعل أي حرب شاملة غير محتملة في المدى القريب.
  • الدروس المستفادة من التاريخ: استغرقت إيران ثماني سنوات لإنهاء حربها مع العراق؛ وفي مواجهة قوة أعتى مثل الولايات المتحدة ستتبنى تكتيكات أكثر مراوغة لإطالة أمد الصراع وتحويله إلى حرب استنزاف.

بالعودة إلى استراتيجية الصمود، فهنا استعراض للتحديات والإنجازات في آنٍ واحد:

  • في البعد السياسي: تجلّى الإنجاز الإيراني في خلق نظام مركزي متماسك (ولاية الفقيه) يمنع الانهيار السريع، وهو ما يشكل عامل قوة. لكن الصراعات الداخلية بين التيارات تعيق اتخاذ قرار حاسم في الأزمات، وهو ما يُعد نقطة إخفاق. أما الصمود فهو مشروط؛ فإيران موحدة في مواجهة العدو الخارجي، لكنها متصدعة داخلياً.
  • في البعد العسكري: تكمن قوة إيران في التفوق في الحروب غير المتماثلة (وكلاء، صواريخ متنوعة، ومسيّرات)، أما نقطة الإخفاق فتتمثل في التخلف في القوات التقليدية (الجوية والبحرية). وبما أن نظامها الدفاعي غير متوازن، لاعتماده على الوكلاء أكثر من الجيش النظامي (كما يظهر حتى الآن)، فإن ذلك يؤثر جذرياً في عامل الصمود.
  • في البعد الديموغرافي: لدى إيران تعداد سكاني كبير يوفر قوة بشرية تمنحها نقطة قوة لا بأس بها، لكن التوترات مع الأقليات في مناطق حدودية حساسة تشكل مكمن إخفاق، مما يجعلها ورقة ضغط على النظام القائم، ويمكن استغلالها من قبل خصومها لزعزعة الاستقرار الداخلي، وهو ما يُعد عاملاً حساساً يضعف الصمود.
  • في البعد الاقتصادي: تتمثل نقطة القوة الإيرانية في الخبرة في التعايش مع العقوبات (اقتصاد المقاومة)، لكن الإخفاق كان وما زال في العقوبات الخانقة التي تمنع تمويل حرب استنزاف طويلة. أما الاستنزاف الذاتي فيتضح في تراجع القدرة على الصمود مع مرور الوقت، ما لم يحدث انفراج اقتصادي في المدى القريب.

تداعيات الحرب على دول الخليج العربي

لم تعد دول الخليج العربي مجرد حلفاء في الخلفية، بل تحولت إلى ساحة اشتباك مباشر ومفتوحة، مما يعرضها لخطر وجودي حقيقي. فالرد الإيراني الفوري على ضربات 28 شباط، التي استهدفت الكيان الإسرائيلي وقواعد أميركية ومقرات تزعم أنها بعثات للكيان الإسرائيلي في كل من البحرين وقطر والكويت والإمارات، أوقع هذه الدول في خيار صعب: معضلة التورط المباشر في الصراع، والضغط الداخلي، والخوف من أن تكون الهدف التالي في حال استمرار التصعيد.

التأثير على دول حوض المتوسط

هذا التصعيد جعل الدول المطلة على المتوسط (تركيا، مصر، وقبرص) في حالة ترقب وقلق بالغين. فقد ساعد تصعيد عام 2025 على إعادة تشكيل التحالفات؛ فالكيان الإسرائيلي يواجه عزلة متزايدة، مما يدفع دولاً مثل تركيا والسعودية ومصر إلى التقارب أكثر لموازنة النفوذ الإسرائيلي، وهذا يخلق خطوط توتر جديدة في شرق المتوسط.

التداعيات على لبنان

لبنان هو الحلقة الأضعف والأكثر هشاشة في هذه المعادلة، وسيدفع الثمن بغض النظر عن نتيجة الحرب. فقبل اغتيال خامنئي، كان لبنان تحت ضغط أميركي وخليجي غير مسبوق لنزع سلاح حزب الله. وقد ربط الغرب ودول الخليج المساعدات المالية للبنان بإنهاء احتكار حزب الله للقوة.

فالحزب تعرض لضربة استراتيجية بالغة؛ إذ خرج منهكاً من حربه الأخيرة مع الكيان الإسرائيلي عام 2024، وفقد قيادته التاريخية، ثم قُطعت خطوط الإمداد من سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد. والأهم أنه فقد سنده الاستراتيجي (إيران) في لحظة ضعفها الأكبر.

لكن، على الرغم من خسائره، يبقى قادراً على أن يكون «معطِّلاً» للاستقرار في لبنان، وهذا ما تجلى عقب إطلاقه بضعة صواريخ باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما أعطى ذريعة أقبح من ذنب للكيان الإسرائيلي لتوسيع رقعة الاستهدافات، وربما التوغل البري في الجنوب.

وقد يصح التعبير بأن الحزب بات خاضعاً لإدارة إيرانية أكثر صرامة؛ فإما أن يجرّ حزب الله إلى مواجهة مفتوحة مع العدو الإسرائيلي «تضامناً» مع إيران (مما يعني تدمير ما تبقى من لبنان)، أو ينكشف عسكرياً وسياسياً في الداخل اللبناني إذا حاولت الدولة فرض الأمر الواقع عليه (مقررات مجلس الوزراء الأخيرة بحظر أعمال حزب الله العسكرية) تحت الضغط الدولي.

الخلاصة

إيران التي خرجت ممزقة من الحرب العالمية الأولى، وصولاً إلى جمهورية إسلامية ذات نفوذ إقليمي، تعلمت أن قوتها تكمن في صعوبة القضاء عليها، لا في قدرتها على الانتصار. فهي أشبه «بقلعة» يصعب اقتحامها، لكن حاميتها تعاني من نقص في المؤن وثغرات في الأسوار.

إن صمودها في وجه أميركا والكيان الإسرائيلي سيكون طويلاً (ربما عقداً أو أكثر)، لأنه قائم على حرب استنزاف واستنزاف مضاد، لكنه يبقى مرهوناً بقدرتها على احتواء إخفاقاتها الداخلية بالكفاءة نفسها التي تدير بها صراعاتها الخارجية.

وما نشهده اليوم هو حرب إقليمية شاملة؛ فالجهود الدبلوماسية في أدنى مستوياتها، في ظل إصرار واشنطن وتل أبيب على تحقيق أهدافهما العسكرية. فقد وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب العمليات بأنها «معارك قتالية كبرى» ستستمر «طالما كان ذلك ضرورياً»، بهدف تحييد البرنامج النووي الإيراني ودعوة الشعب الإيراني إلى الإطاحة بحكومته.

كما صرّح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن الضربات الأقسى لم تأتِ بعد. وفي المقابل، فإن تصميم طهران على الرد بكل ثقلها، وما استدعى ذلك من استنفار كامل وتهديدها باستهداف كل المصالح الاقتصادية في المنطقة، وإغلاق مضيق هرمز بشكل كامل، يؤكد هذا المسار للحرب التي أعادت رسم خريطة التحالفات، وجعلت منطقة الخليج العربي في مرمى النيران المباشرة، ووضعت لبنان على حافة الانهيار الشامل تحت وطأة التسوية المفروضة على حزب الله.

مقالات الكاتب

راجي معرّاوي

متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.