تحفة «أوسكار نيماير» الطرابلسية تخشى تكرار تجربة المباني المتصدعة

مضت ثلاثة أعوام على إدراج تحفة «أوسكار نيماير» الطرابلسية على لائحة منظمة الأونيسكو للتراث العالمي الإنساني المهدَّد بالاندثار، من دون أن يشعر روّاد «معرض رشيد كرامي الدولي» بالتغيير المرجو. وينسحب الأمر نفسه على المهتمين بالشأن العام الطرابلسي، حيث تتزايد الخشية من تكرار تجربة المباني القديمة والمتصدّعة في المدينة، التي تتهاوى واحدة تلو الأخرى بفعل الإهمال.

ولا يخفى على أحد أن بعض المنشآت الأساسية باتت عرضة للانهيار، في مقدّمها المسرح المكشوف، وخزان المياه، والمطعم ذو الإطلالة البانورامية، وذلك نتيجة عدم مبادرة الحكومة اللبنانية وسلطة الوصاية إلى تقديم أي دعم مالي ملموس، والاكتفاء بالدعم المعنوي والمديح.

في غرفة الانتظار

صباح الأحد، لا شيء يكسر سكون معرض رشيد كرامي الدولي سوى مجموعات من ممارسي الرياضة، إذ يشكّل الملجأ الأخير لمحبي رياضات المشي والجري وركوب الدراجات الهوائية في مدينة طرابلس. تؤكد ندى أنها اعتادت ممارسة روتينها الصباحي في المساحة الخضراء المفتوحة التي تمتاز بالسكون والهدوء، فهي أشبه بحديقة عامة وسط غابة من المباني الإسمنتية. وقد تحوّل المعرض إلى مساحة حرة لأشخاص من مختلف الأعمار، لتمضية أوقات بعيداً عن الضغط وصخب الحياة في الخارج.

وعلى أعتاب قاعة المعارض الكبرى، التي تعاني مشكلات في الصيانة، تشهد لوحات إعلانية «فقدت بريقها» على احتفالية «طرابلس عاصمة للثقافة العربية»، فيما يلتقط محبو التصوير بعض اللقطات بلمسة فنية. وفي منشأة «البيت اللبناني»، يسير أحد طلاب الهندسة المعمارية بحذر بسبب أعمدة حديدية دُعِّم بها السقف، فيما أعادت مياه الأمطار الغزيرة إنعاش الأحواض المائية التي جفّت لسنوات نتيجة عدم الاستخدام. ويشي الانعكاس الضوئي، والمزيج بين المادة الصمّاء والغطاء النباتي، بحرفية العاملين على تصميم وبناء المعرض في حينه، وبأهمية الاهتمام به ليؤدي دوره ووظيفته.

العمل مستمر

في داخل «صالون» أُعيد تأهيله مؤخراً، يستقبل الدكتور هاني شعراني، رئيس مجلس إدارة معرض رشيد كرامي الدولي، ضيوفاً من مختلف المشارب الطرابلسية، مانحاً إياهم جرعة من الأمل بإمكانية استعادة المعرض لدوره، كاشفاً عن خطط لتحويله إلى منصة تنموية وثقافية في عاصمة الشمال، ومقدّماً «كشف حساب» عن «إنجازات نظرية متواضعة» لمجلس الإدارة الجديد، الذي استهل عمله في أيلول/سبتمبر 2025، أي منذ قرابة أربعة أشهر.

وفي مقابلة خاصة مع «بيروت 2030»، ينطلق شعراني في تشخيصه لأوضاع المعرض، مؤكداً أن «مجلس الإدارة الجديد لا يمتلك العصا السحرية لتغيير واقع صعب هو نتاج عقود من الزمن»، متحدثاً عن «معاناة المعرض من ثلاث مشكلات أساسية: الأولى تتعلق بنقص الكادر البشري، إذ يُدار المعرض بأقل من 20 في المئة من حاجته الفعلية، حيث لا يتجاوز عدد الموظفين 16 موظفاً، في حين أن الحاجة الفعلية تبلغ 48 موظفاً لتغطية الكادر الوظيفي. أما المشكلة الثانية، فهي على مستوى التمويل، فالمعرض مؤسسة عامة تابعة للدولة، تمتد على مساحة مليون متر مربع، ولا تحصل على أي دعم فعلي من الحكومة أو من الميزانية العامة لعام 2026، ما يؤدي إلى شح مالي مزمن. وقد أسهمت مغادرة المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في تعميق هذه الأزمة، نتيجة تفكيك منشآتها ومغادرتها المعرض، ما حرمه من دخل ثابت كان يأتيه على شكل إيجارات، لتجد الإدارة نفسها وحيدة على أرض الواقع. أما المشكلة الثالثة، فتتمثل في معاناة المباني من خطر الانهيار المستمر، إذ إنه، وبعد مرور 55 عاماً على إنشاء المعرض، لم يخضع لأي أعمال صيانة تُذكر».

خطر السقوط

تعاني مباني المعرض مشكلات طارئة، وتحتاج إلى تدخل عاجل للحفاظ عليها بوصفها تراثاً إنسانياً وثروة ثقافية، ومنع تعريض السلامة العامة للخطر. وقد وُضعت لوحات تحذيرية لتنبيه الزوار من التوجه إلى بعض النقاط، على غرار المسرح المكشوف والقوس، تفادياً للمخاطر. وفي هذا السياق، يتحدث شعراني عن «الحاجة الملحّة إلى حماية مباني المعرض المدرجة على قائمة التراث العالمي للأونيسكو، لما تختزنه من قيمة معمارية كبيرة»، مشيراً إلى أن «مجلس الإدارة لا يمتلك الأدوات الكافية لترميمها ما لم يحصل على دعم من الدولة، التي تعاني أصلاً من أزمات مالية، رغم ما تبديه من دعم معنوي كبير. لقد حصلنا على وعود من وزير الاقتصاد بتأمين هبة وتسهيلات إدارية».

ورداً على سؤال حول إسهامات الأونيسكو في الحفاظ على منشآت المعرض، ودقة الحديث عن هبات ودعم، يجيب شعراني: «من المؤكد أن إدراج المعرض على قائمة الأونيسكو للتراث الإنساني المهدَّد شكّل خطوة إيجابية كبرى، إذ منحه طابعاً عالمياً. كما أعدّت الأونيسكو في السابق ملفاً لوضع خريطة تطويرية لمعرض رشيد كرامي الدولي، جرى من خلالها تصنيف نقاط القوة والضعف، وتحديد طبيعة المباني بين المعرضة للانهيار والمتماسكة. وأسهم هذا الكشف والدراسة المعمّقة في بلورة رؤية مستقبلية لتطوير المعرض. وقد التقينا المدير العام للأونيسكو في لبنان، باولو فونتيني، الذي أبدى رغبة في دعم المعرض، وهو ما ننتظره أن يُترجم على أرض الواقع عبر مشاريع تنفيذية ودعم مالي ملموس لتدعيم بعض المباني المعرضة للانهيار، وفي مقدمها خزان المياه، والمسرح المفتوح، وهيكل القوس ذي الكلفة المرتفعة، فضلاً عن تمويل عاجل لإعادة تأهيل وترميم بعض المباني، كقاعات المعارض الكبرى التي تحتضن معرض الكتاب الدولي والمناسبات المختلفة»، موجّهاً نداءً «لحماية إرث حضاري عالمي يعود لأيقونة في عالم العمارة، هو أوسكار نيماير، كي لا يلقى مصيراً مشابهاً للمباني المتصدّعة».

إرث نيماير

تختصر لوحة تعريفية عند مدخل معرض رشيد كرامي الدولي «قصة عشق» اختلطت فيها المشاعر بالإبداع، بين المعماري البرازيلي الشهير أوسكار نيماير (1907–2012) ومدينة طرابلس الفيحاء. زارها للمرة الأولى عام 1962، ثم كانت زيارته الثانية والأخيرة في كانون الأول 1967، للاطلاع على سير الأعمال وطلب الإسراع في الإنجاز تمهيداً لافتتاح المعرض عام 1969. وتشير اللوحة إلى أنه، وبحلول عام 1975، كانت أعمال البناء قد شارفت على الانتهاء، إلا أن الحرب الأهلية المندلعة في ذلك العام حالت دون افتتاحه، فكان لا بد من انتظار انتهائها. وفي عام 1991، أُطلق عليه اسم «معرض رشيد كرامي الدولي» نسبةً إلى ابن المدينة ورئيس الحكومة الذي اغتيل خلال الفصول الأخيرة من الحرب، في الأول من حزيران/يونيو 1987. وفي 25 كانون الثاني 2023، أدرجت منظمة الأونيسكو المعرض على لائحة التراث العالمي.

إلى جانب تلك اللوحة، ينتصب تمثال من تصميم الفنانة ساندرا صهيون، في محاولة للتأكيد على عمق الروابط بين المعرض ومخيلة أوسكار نيماير. وفي هذا السياق، يعبّر رئيس جمعية تراث نيماير، الدكتور وسيم ناغي، عن «الامتنان الكبير لهذه الشخصية الاستثنائية التي قدّمت جهداً استثنائياً لإقامة تحفة معمارية فذّة»، متطرقاً إلى نوعين من المخاطر التي تهدّد المعرض المدرج على لائحة الأونيسكو للتراث العالمي. ويقول: «من جهة، هناك ضعف الأبنية وغياب الصيانة الضرورية بسبب الكلفة المرتفعة، كونها مباني غير عادية، ومن جهة أخرى، الخطر الناجم عن التطوير غير الملائم، والذي يمكن استنتاجه من مشاريع ترميم خاطئة، من قبيل تحويل مبنى السكن الجماعي إلى فندق». ويلفت إلى «تأثير الهزّات الأرضية المتباعدة على بنية المنشآت، إذ تعاني بعض المباني خطر الانهيار المفاجئ في أي لحظة، بحسب مسح الأونيسكو»، مشدداً على أنه «ليس من السهل إجراء أي تدخلات في المعرض، فهي تحتاج إلى موازنات وخبرات، وهناك محاولات قائمة بين المجتمع المدني ومجلس الإدارة الحالي لسد بعض الفجوات ضمن الممكن، في ظل غياب التمويل الرسمي».

ومن جهة أخرى، ينبّه ناغي إلى أن «الأعمدة الحديدية داخل الجناح اللبناني – ووضعها مقبول – هي موجودة منذ أصل البناء، لحماية الواجهات الزجاجية التي تحطّمت خلال الحرب وسُرق بعضها خلال حقبة الوجود السوري، وليست طارئة، كما أنها ليست أعمدة حاملة، إذ يقع الحمل الإنشائي على الأقواس السبعة». ويجزم بضرورة الحفاظ على المعرض ورؤيته، باعتباره «من الفرص الاستثمارية التي لا تُقدّر بثمن، وقد ازدادت قيمته بعد اعتراف الأونيسكو به وبمكانته»، واصفاً إياه بأنه «أكبر واحة استثمارية للفرص الضائعة، بحسب تعبير أحد كبار رجال الأعمال». ويعرب عن أسفه «للتأخير الناتج عن أوضاع البلاد المأزومة، ولعدم الاهتمام بالمعرض بسبب عدم وجوده في العاصمة، وغياب المدينة عن سلّم أولويات الحكومات السابقة، فضلاً عن الروتين الإداري». ويختصر ناغي وضع المعرض بثلاثة تعابير: «معقّد، ومكلف، ويتطلّب وقتاً»، مؤكداً أن «العمل فيه يحتاج إلى نفس طويل لتحقيق إنجازات كبيرة على المدى البعيد».

خطة طموحة

يعاني المعرض صعوبات كبيرة تُشكّل ضغطاً على مجلس الإدارة الجديد. ويتحدث الدكتور شعراني عن خيارين: إما المراوحة والشكوى المتواصلة، أو بدء العمل بما تيسّر. وقد انحاز مجلس الإدارة إلى خيار الانطلاق بما هو متاح، والاستثمار في الكفاءات، والتواصل مع المجتمع الطرابلسي، وهو ما أثمر تأمين هبة لإقامة محطة طاقة شمسية وإنارة مبنى الإدارة العامة للمعرض، وهبة لصيانة مكاتب الإدارة، وأخرى لتدعيم خزان المياه والمطعم. كما أشرف المجلس على تنظيم 35 حدثاً ومناسبة اجتماعية وفنية واقتصادية في أرجاء المعرض، أمّنت تمويلاً لبعض أنشطة المرفق، فيما التزم مجلس الإدارة بمبدأ الحوكمة وشارك بياناته مع الرأي العام.

ويشدّد شعراني على وجود ثلاثة أهداف يعمل عليها مجلس الإدارة الجديد، تتمثل في تأمين فرص عمل وتشغيل للطاقات الشابة، وجذب الاستثمارات، وتحقيق «ثورة» في مختلف المجالات انطلاقاً من المعرض. ويضع «ملف إعادة تشغيل الفندق المتوقف عن العمل منذ ست سنوات على رأس الأولويات»، موضحاً أن «الملف عُرض على هيئة الشراء العام للنظر فيه، تمهيداً لإطلاق المزايدة وجذب المستثمرين، بهدف إعادة تأهيله نظراً إلى وضعه السيئ، وإعادة تشغيله وفق معايير عالية». كما يتطرق شعراني إلى «إعادة تفعيل مشروع منجرة، بالتعاون مع جمعية الصناعيين في لبنان، لتدريب عمال المفروشات وتطوير كفاءة الحرفيين»، فضلاً عن تأهيل «البيت اللبناني»، الذي تبلغ مساحته قرابة ثلاثة آلاف متر مربع، لتحويله إلى معرض ومتحف للصناعات الحرفية والأعمال الفنية الراقية.

كذلك تطمح الإدارة الجديدة للمعرض إلى استغلال المساحات غير المبنية فيه، بهدف إقامة خمسة مشاريع منتجة يمكن أن تدرّ مداخيل ثابتة، تساهم في الحفاظ على منشآت المعرض وتطويرها.

مقالات الكاتب

بشير مصطفى

صحافي لبناني مهتم بقضايا المجتمع، وباحث حقوقي.