وقف العمل بموجب أحكام الدستور وقيام نظام انتقالي

مما لا شك فيه أن النظام السياسي اللبناني بدا عاجزًا عن مواكبة التطورات السياسية والعسكرية التي أفرزتها الحرب الدائرة بين منظمة حزب الله ودولة إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، والدليل انعدام قدرة هذا النظام الفاقد للشرعية على التأثير في مجرى الأحداث، وعدم إمكانيته استنباط قرارات حكومية أو سياسة عامة توقف الحرب على الإقليم الذي يُديره. فعليًا، هذا النظام يعاني من اغتراب سياسي، وإحباط فكري، ولا مبالاة تجاه العمل الوطني السليم.

نظام سياسي فاشل لم يتمكّن من إرساء دولة ديمقراطية، وتنمية مستدامة، وتطور اقتصادي واجتماعي مطرد، بل نظام متلازم مع سنوات عجاف، يصطدم باللاسيادة واللاقانون والفقر والمحاصصة والتخلف، والميليشيا المتحكمة بكل مفاصل الدولة المدنية والعسكرية، وتغلغل الفكر الأصولي الرجعي، إضافة إلى ترهات دستورية تبريرية. نقول “ترهات دستورية تبريرية” لأن هذا النظام يسوّقها لإخفاء عوراته وعجزه كسلطة أوصلت البلاد إلى حافة الهاوية. والمشكلة بالنسبة إلينا كمركز أبحاث PEAC هي في الطبقة السياسية الفاشلة العميلة، وخاصة الأحزاب القائمة التي مارست السلطة وأوصلت البلاد إلى ما هي عليه الآن.

أمام هذا التراكم الخطير من العجز وعدم تحمّل المسؤولية كما يُناط بها الدستور، بات من المفترض وقف هذا الانحدار بكل الوسائل السياسية التي يرتكن إليها علم السياسة، وتقديم مقاربة سياسية لتحقيق جودة الحكم وكفاءة التسيير المنتظم لأحكام القانون، باعتبار أن عملية إصلاح النظام السياسي وتأهيله لمواكبة التحولات المحلية والإقليمية والدولية تمثّل مهمة ذات أولوية في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الجمهورية اللبنانية.

المتعارف عليه في علم السياسة أن الدستور هو أعلى قانون في البلاد، وهو حكمًا ينظّم شكل الدولة ونظام الحكم فيها، ويحدّد السلطات واختصاصاتها وعلاقتها ببعضها البعض، وبالإضافة إلى ذلك فإنه يحدّد حقوق وحريات الأفراد، وعلاقة الأفراد ببعضهم البعض، وعلاقتهم مع السلطات. وبما أن الدستور هو أعلى قانون في الدولة، فلا بد أن تُشرّع كل القوانين، وتصدر كل الأنظمة والتعليمات وفقًا للدستور، وإذا ما خالفته فإنها تُصاب بعيب عدم الدستورية وتُلغى. وعلى اعتبار أن الدستور أعلى قانون في البلاد، فعلى الحكام والمحكومين تنفيذ نصوصه دون إهمال أو نقص أو تغافل، لأنهم في هذه الحالة يُخلّون بالتزاماتهم التي حدّدها الدستور.

وبما أن الأوضاع العامة القائمة في البلاد، وعلى مختلف مندرجاتها، تشير وفقًا للوقائع القائمة والمثبتة ميدانيًا إلى أن هناك تعطيلًا رسميًا للدستور، وبما أن الظاهر من الأداء السياسي أن هناك تعطيلًا كليًا للدستور، وهذا أمر لا يُفترض السكوت عنه، وبما أن هناك تغاضيًا عن أحكام الدستور تطبيقًا وممارسةً، وتعمدًا لإهمال مندرجاته دون أن يُسند ذلك إلى نص في الدستور يجيز عدم تطبيق هذه القاعدة أو تلك، فإن هذه الأمور تُسمّى بالتعطيل غير الرسمي للدستور. ومن خلال استقراء الواقع السياسي والدستوري للجمهورية اللبنانية، يبدو أنه زاخر بالتعطيلات الفعلية للدستور.

بالاستناد إلى الوقائع الميدانية، واستنادًا إلى العجز المتراكم من قبل ساسة لبنان، علمانيين وروحيين، من المنطقي النظر في قرينة تعطيل أو وقف العمل بموجب الدستور. ويُعدّ ذلك الفعل إجراءً استثنائيًا يعني وقف تطبيق أحكام الدستور، ويهدف هذا الفعل إلى إدارة ظروف استثنائية. ووقف العمل بموجب أحكام الدستور وتعليق مواده يتم لمدة معينة تُحدّد وفقًا لدراسة سياسية أمنية اقتصادية اجتماعية. وبالاستناد إلى الوقائع الحالية اللبنانية، فإن وقف العمل بموجب أحكام الدستور هو إجراء مشروع مرحليًا، لأنه يستند إلى ظروف استثنائية تهدّد أمورًا ومصالح في غاية الأهمية والخطورة، تجعل وقف العمل بأحكام الدستور لأجل مواجهتها إجراءً لازمًا لا مفر منه ولا محيص عنه.

في الحالة السياسية اللبنانية، من الملاحظ أن السلطة القائمة تعجز عن تطبيق أحكام الدستور، وهذا يعني أن هناك مخالفة للتشريعات والقواعد الدستورية، مما يجعل الدستور منتهكًا (مخالفة المواد التالية: 2 – 6 – 15 – 16 – 20 – 44 – 49 – 60 – 64 – 65 – 73). ويتم التصدي لذلك العجز في التطبيق عبر اتخاذ قرار جريء من الشعب بوقف العمل به، وبذلك يتم الالتزام بتطبيق نظام انتقالي كأعلى سلطة انتقالية قائمة، تمثل حالة استثنائية لإدارة الجمهورية عقب أزمات سياسية وأمنية واقتصادية ومالية واجتماعية، تهدف إلى ترتيب الوضع العام وإعادة هيكلة الأجهزة الرسمية للدولة تمهيدًا لتطبيق قانون الدفاع الوطني ولإجراء انتخابات ديمقراطية.

ويتم تطبيق المرحلة الانتقالية عبر تشكيل حكومة تصريف أعمال لضمان استمرارية مؤسسات الدولة. والأمثلة كثيرة عن الحكومات الانتقالية، نذكر منها الحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية عام 1870، وحكومة كوريا عام 1945، وحكومة سورية عام 1963.

عسانا نوفّق في مسعانا لوقف العمل بموجب أحكام الدستور وقيام نظام انتقالي، لأنهما الخيار المتاح لإنقاذ الجمهورية اللبنانية، وإلا نحن ذاهبون إلى زوال، والمستقبل قاتم.

مقالات الكاتب

بسام ضو

كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC