«ملف التفرّغ» يعود إلى الواجهة: بين الحاجة الأكاديمية والحسابات الطائفية… من يحسم؟

1300 أستاذ على لائحة الانتظار ووزيرة التربية أمام اختبار

في بداية آب الماضي، عاد ملف تفرغ أساتذة الجامعة اللبنانية إلى الأضواء بعد سنوات من الغياب، مع طلب رئيس الجامعة الدكتور بسام بدران من الكليات، إعداد جداول بالملاكات لمعرفة حاجة الجامعة الفعلية إلى أساتذة متفرغين، والطلب من المتعاقدين تقديم الطلبات إلى عميد الوحدة، على أن تُرفع ملفات الأساتذة إلى رئيس الجامعة ووزيرة التربية، بغية تفريغ العدد الذي تسمح به الحكومة. بمعنى آخر فإن الآلية التي ستُعتمد لاختيار الأساتذة المؤهلين للتفرغ هي أن تقوم مجالس الأقسام برفع الاحتياجات إلى مجالس الفروع ثم الوحدات، ثم مجلس الجامعة (حالياً رئيس الجامعة ووزيرة التربية ريما كرامي).

وبالرغم من المسار الإداري الطبيعي الذي يسلكه هذا الملف حالياً، إلا أن ثمة إشكاليات ثلاث تحيط به وهي تشكّل مصدر قلق لدى الأساتذة الذين ينتظرون تفرغهم في الجامعة منذ أكثر من عقد، وباباً تتدخل عبره القوى السياسية لتحقيق مكاسب سياسية وطائفية.

الإشكالية الأولى هي تقنية، إذ يفترض أن  يكون نِصاب الأستاذ المتعاقد مئتي ساعة على الأقل، وأن يكون قد مضى على تعاقده مع الجامعة سنتان. ويُفترض أيضاً أن تتطابق شروط التفرغ مع شرط الإختصاص في الكلّية التي يتفرغ فيها، لأن اسمه سيُرفع في كلية الإختصاص، بحسب الشهادة التي يحملها. وهذا الأمر يطرح إشكالية لدى العديد من المتعاقدين الذين يدرّسون في كليات من غير إختصاصهم. مثلاً، هناك أساتذة متخصصون بالهندسة لكنهم يدرّسون في كلية الفنون، أو أساتذة يدرّسون في كلية الزراعة فيما يفترض أن يكونوا في كلية العلوم، وغيرها من الأمثلة. وهناك اختصاصات ليست ضمن ملاك الكلية المعنية، لكن موادها تدرّس كمادة أساسية لا اختيارية في الكلية عينها.

 الإشكالية الثانية هي مالية تتعلق بموازنة الجامعة. ففي حال وافقت الحكومة على التفرغ، يُفترض أن ترفع موازنة الجامعة للحظ المتفرغين، وموازنة صندوق التعاضد الذي ستزداد أعباء ماليته، ليس بالمتفرغ وحده، بل بكل أفراد عائلته. والمعطى المالي أساسي خصوصاً أن عدد المتعاقدين تراكم خلال السنوات العشر الأخيرة، و بلغ 1300 متعاقد.

أما الإشكالية الثالثة فهي طائفية تؤخر تفريغ المتعاقدين منذ سنوات، ذلك لأن تأمين التوازن الطائفي ورضى الأحزاب يؤدي إلى رفع عدد المتفرغين بما يفيض عن حاجة الجامعة، وعن قدرة الحكومة على تغطية التفرغ مالياً.

بدران: هناك حاجة للجامعة بتفرغ أساتذة جدد وقرار سياسي بإنجاز هذا الملف

في المعنى التقني للتفرغ، فهو يعني انصراف رئيس وأفراد الهيئة التعليمية (المتعاقدين)، إنصرافاً كاملاً للعمل في الجامعة اللبنانية، مع تخصيص دوامهم الكامل لها وإمتناعهم عن أي عمل بأجر آخر، وتكمن أهمية هذا الأمر في كونه أحد أعمدة إستقرار الجامعة الوطنية وإستمراريتها. على أرض الواقع “لا يزال ملف الأساتذة المتفرغين في إدارة الجامعة اللبنانية”، كما يوضح رئيس الجامعة الدكتور بسام بدران لـ”بيروت 2030″، شارحاً أن “ملف التفرغ تم إعداده في إدارات العمادات ثم تحويله إلى رئاسة الجامعة، وعند الإطلاع عليه تبيّن أن هناك نواقص في المعلومات المتعلقة بالمرشحين للتفرغ، وأسماء مكررة في أكثر من كلية، وأسماء مرشحة من دون أن تتمتع بالمواصفات التي تؤهلها للتفرغ (أساتذة ليسوا من ضمن الفئة الأولى)”، جازماً بأنه لا يتدخل بالأسماء التي ترفعها عمادات الكليات إلى إدارة الجامعة، بل يتعامل معها كما وردته. “كل هذه الثغرات تحتاج إلى معالجة على مستوى كل الكليات، وعندما ينتهي التدقيق يتم تسليمه إلى وزارة التربية لعرضه على مجلس الوزراء لدراسة الأرقام والنسب والتفاصيل والخطة التي طرحتها الجامعة”.

ويضيف: “نُحاول إنجاز الملف بأسرع وقت ممكن، لأنه حين سيُناقش في مجلس الوزراء سيحصل ذلك وفقاً لآلية معينة تلحظ ما إذا كان التفرّغ سيتمّ على دفعة واحدة أو على دفعات، إضافة إلى الكلفة المالية وما إذا كانت الخزينة اللبنانية قادرة على تحمّلها”. هذا وشدّد بدران على أن هناك حاجة للجامعة بتفرغ أساتذة جدد، وهناك قرار سياسي بإنجاز هذا الملف والعمل يتم للوصول إلى نتيجة، ولذلك هناك محاولة لتخريج الملف بأفضل طريقة ممكنة ومعالجة أي خلل يمكن أن يظهر، والتدقيق بكل المعلومات المطلوبة لإنجاز الملفات، ثم رفعها إلى وزيرة التربية.

الأمين: آلية التفرغ ستوضع بالتنسيق بين الجامعة والوزارة والحكومة

في ما يتعلق بآلية إختيار الأساتذة المؤهلين للتفرغ، يشرح مستشار وزير التربية الدكتور عدنان الأمين، لـ “بيروت 2030” أن ما تمّ الاتفاق عليه هو أن يملك الأستاذ المرشح  للتفرغ في الجامعة عقد تعاقد نصاب كامل خلال السنوات 2023- 2024 و 2024-2025. وفي حال أخطأ العمداء في وضع أسماء لا تنطبق عليها المعايير (أي أساتذة لا يملكون عقوداً) فعلى إدارة الجامعة تصحيح الخطأ.

ويضيف: “مهمة رئاسة الجامعة اللبنانية هي التدقيق في أسماء المرشحين والتأكد من إستحقاقهم للتفرغ. أما معايير الإختيار فلم تُحدّد بعد وعلينا وضعها بالتعاون بين رئاسة الجامعة ووزيرة التربية ومجلس الوزراء، بمعنى سيتم وضع آلية لإختيار الأساتذة المستحقين للتفرغ في الجامعة اللبنانية، في حين أن عدد المرشحين حالياً هو 1300 أستاذ. والسؤال هو كيف نختار بينهم، وما يقوم به رئيس الجامعة حالياً هو فرز الطلبات بين مؤهل وغير مؤهل للتفرغ”.

خليل: هاجس الأساتذة  أن يتم التعامل معهم  وفقاً للمعيار المذهبي والطائفي

على ضفة أصحاب الملف يشرح الأستاذ المتعاقد في الجامعة اللبنانية روني خليل لـ”بيروت 2030″، أن آخر ملف تفرغ في الجامعة اللبنانية حصل في العام 2014، ومنذ ذلك الوقت لم يصدر أي ملف رسمي، ولكن إدارياً تم الإعداد لأكثر من ملف لتفرغ أساتذة جدد في ملاك الجامعة منذ العام 2021، وهذا الأمر لم يتم لأسباب سياسية وليس لأسباب أكاديمية.

ويضيف: “نحن، كأساتذة متعاقدين في الجامعة، موعودون بفتح هذا الملف، لكننا لا نملك أي معطيات رسمية حول طرحه في مجلس الوزراء خلال الفترة المقبلة، علماً أن كل من العمداء ورئيس الجامعة قاموا بواجباتهم الإدارية والأكاديمية في هذا الإطار. وبحسب ما أُبلغنا به فقد تم ترشيح أسماء الأساتذة وفقاً لمدى حاجة الكليات لهم والمواد التي يدرّسونها”. ويؤكد أن أكثر من 90 بالمئة من المتعاقدين هم حاجة للجامعة، فالتعاقد في الجامعة توقّف منذ العام 2017 إلا في حالات نادرة، في الوقت الذي يتقاعد فيه عدد من الأساتذة كل عام، ما يعني أن الحاجة إلى تفريغ أساتذة جدد أمر مُلحّ، خصوصاً أنه لم يتم ملء شواغر بالشكل المطلوب.

هذا ولا يخفي خليل قلقه من كيفية التعاطي مع هذا الملف، ويقول: “صحيح أننا كأساتذة قدّمنا طلباتنا وفقاً للأصول الإدارية، لكننا في لبنان… ولا نعرف كيف سيتم التعاطي مع هذا الملف. والسؤال الأساسي هو إذا كان سيطغى المعيار المذهبي والطائفي، وخصوصاً أن هناك صعوبات مالية تواجه تفرّغنا لجهة قبول وزارة المالية بتفريغ عدد معين، كما أن الحكومة ستتعاطى معه وفقاً للمعيار السياسي (مراعاة التوازن الطائفي والمذهبي)”.

وقد شدّد على أن الأستاذ الجامعي في الجامعة اللبنانية، الذي بذل جهوداً أكاديمية وشخصية كبيرة للحصول على شهاداته والتعليم في الجامعة، لا يتمتع  بأي تغطية صحية أو عائلية ولا يتقاضى بدل نقل، ويتقاضى مستحقاته بشكل فصلي من دون تحديد موعد موحّد وواضح، كما أن أجر الساعة لا يتعدى 25 دولار، أي بمعدل 400 دولار شهرياً، معرباً عن تخوّفه من تأجيل الملف بسبب الحسابات السياسية: “خوفنا ليس من جامعتنا ورئيسها وعمدائنا بل من طريقة إدارة الملفات في البلد. نحن نحترم المعايير الطائفية شرط أن لا توقف الملف وتؤجله تحت شعار المناصفة، ومن هنا يجب إيجاد صيغة  تُرضي الجميع”.

الحشيمي: للتعاطي بعدالة مع الملف وليس بإنتقائية أو بحسب الحاجات

بناء على ما تقدم، تُعدّ الإشكالية الطائفية والمذهبية هي العقدة الأصعب التي تواجه ملف التفرغ، وهذا ما حصل سابقاً. فوجود عدد كبير من الأساتذة من لون طائفي ومذهبي واحد كان يجمّد سير الملف نحو نهايته السعيدة، ويفتح الباب أمام المحاصصة السياسية، ولهذا يعتبر النائب بلال الحشيمي في حديثه لـ”بيروت 2030″ أن ملف التفرغ يجب أن يخضع لصيغة معينة كونه ملفاً وطنياً بإمتياز وله علاقة بالتوازن الطائفي والمذهبي. “الجميع يعلم أن جزءاً كبيراً من أساتذة الجامعة اللبنانية هم من المتعاقدين، ومنذ 10 سنوات إلى اليوم هناك نحو 100 أستاذ يتقاعد سنوياً من الجامعة، ما يعني أن عددهم وصل إلى 1000 أستاذ، ما يستوجب معالجة هذا الملف”.

ويضيف: “كل وزير تربية جديد يقارب الموضوع بشكل مختلف. حالياً تعلن الوزيرة كرامي بأنها ستتبع آلية للتفرغ بالاتفاق مع رئيس الجامعة، وكلجنة تربية طلبنا الإطلاع على هذه الآلية، وحتى الساعة لا شيء واضح. هناك من يقول أن التفرغ سيتم وفقاً لمعيار الأولوية والأقدمية والإختصاصات، وأعتقد أن هذا الأمر سيؤدي إلى مشكلة كبيرة، لأن هناك أساتذة يعلّمون في الجامعة منذ أكثر من عقد ولا يجوز أن نمنع عنهم التفرغ لمجرّد أنه لا تنطبق عليهم معايير التفرغ في الكلية التي يدرّسون فيها، وهذا ظلم”.

كذلك يطالب الحشيمي بأن يكون هناك عدالة في التعاطي مع هذا الملف ولكن ليس إنتقائية أو بحسب الحاجات، لأن هذا الأمر يعني دخول المحسوبيات السياسية، معتبراً أنه يمكن تحقيق العدالة في الملف من خلال تقسيمه بين الأساتذة المتعاقدين مع الجامعة منذ ما قبل وما بعد العام 2019، على أن يبدأ التعاقد مع الأساتذة وفقاً لمعايير إصلاحية منذ اليوم فصاعداً.

ويختم: “طرحت مع لجنة التربية النيابية طلب الإجتماع بوزيرة التربية ورئيس الجامعة لمناقشة الآلية، إذ لا يمكن الإستمرار في المماطلة والتأجيل في هذا الملف المُلحّ”.

مقالات الكاتب

أمل خليل

صحافية اقتصادية لبنانية بارزة تغطي قضايا المال والاقتصاد والنقد والسياسة المالية. تتميز مقالاتها بالتحليل العميق والموضوعية، وتسلط الضوء على التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان في ظل الأزمات المتتالية.