من بين الدول الأوروبية التي تُوجّه انتقادات حادة لإسرائيل اليوم، تبرز إسبانيا كأحد أبرز الأصوات المناهضة لتل أبيب. فإلى جانب موقفها الحازم، تبنّت مدريد سياساتٍ وخططًا شاملة لمواجهة إسرائيل. بل إنّ رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ذهب في إحدى تصريحاته إلى القول إنه يندم على عدم امتلاكه “قنبلة ذرية لردع إسرائيل”. لكن، ما الذي جعل إسبانيا تتصدّر صفوف المنتقدين لتل أبيب؟ وما هي الأسباب التاريخية والسياسية والاقتصادية التي تُغذّي هذا الموقف؟
أولاً: من القطيعة إلى الاعتراف — تاريخ العلاقات الإسبانية الإسرائيلية
لم تعترف إسبانيا بدولة إسرائيل إلا عام 1986، أي بعد نحو أربعين عامًا من قيام الدولة العبرية. هذه الفترة الطويلة من عدم الاعتراف كانت نتاج سياسة خارجية تميّزت بعلاقات وثيقة مع الدول العربية.
ففي عهد الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو، وجدت إسبانيا نفسها في عزلة دولية بعد الحرب العالمية الثانية بسبب دعمها لقوى المحور الفاشية، ما دفعها إلى البحث عن تحالفات جديدة في العالم العربي الذي كان يعيش مرحلة تحرّر من الاستعمار الأوروبي.
السياسة الإيبيرية في زمن فرانكو
خلال فترة حكم فرانكو (1939–1975)، رفضت إسبانيا الاعتراف بإسرائيل سعيًا إلى تعزيز تحالفاتها مع الدول العربية. ولم يكن موقف فرانكو نابعًا من معاداةٍ صريحةٍ لليهود أو مناصرةٍ مطلقةٍ للعرب، بقدر ما كان خيارًا استراتيجيًا هدفه كسب دعم عربي في ملفات حسّاسة، أبرزها النزاع مع المغرب حول الصحراء الغربية.
ومع بداية السبعينيات، بدأ ياسر عرفات وعدد من القيادات الفلسطينية بزيارة مدريد، ما ساهم في توثيق العلاقات بين إسبانيا والفلسطينيين، وفي ترسيخ حضور القضية الفلسطينية في الوعي الشعبي الإسباني.
إسبانيا بعد فرانكو: الانفتاح الحذر
بعد وفاة فرانكو عام 1975، دخلت البلاد مرحلة انتقالية نحو الديمقراطية، وبدأت تتبنى سياسة أكثر انفتاحًا على الغرب. وفي هذا السياق، جاء الاعتراف بإسرائيل عام 1986 كجزءٍ من شروط انضمام إسبانيا إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية (الاتحاد الأوروبي لاحقًا).
لكن هذا الاعتراف لم يُضعف الروابط التاريخية مع العالم العربي، بل رسّخ دور مدريد كوسيطٍ في النزاع العربي–الإسرائيلي، خصوصًا بعد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 الذي مهّد الطريق نحو اتفاقيات أوسلو.
التوجه الشعبي الإسباني: تعاطف واسع مع الفلسطينيين
في السنوات الأخيرة، تنامى شعورٌ معادٍ لإسرائيل داخل المجتمع الإسباني، لا سيّما في أعقاب الحرب على غزة. ووفقًا لاستطلاعٍ أجراه معهد إلكانو الملكي، يرى نحو 82% من الإسبان أن ما تقوم به إسرائيل في غزة يُعدّ “إبادةً جماعية”.
هذا المزاج الشعبي انعكس في تظاهراتٍ حاشدة وأعلامٍ فلسطينية تملأ شوارع مدريد ومدنٍ أخرى، ما جعل القضية الفلسطينية جزءًا من الخطاب العام الإسباني.
موقف الحكومة الإسبانية: سياسة التحدي الدبلوماسي
رغم الضغوط الدولية، اتخذت حكومة سانشيز خطواتٍ جريئة وُصفت بأنها تحدٍ مباشر لإسرائيل، من بينها منع استخدام القواعد العسكرية الإسبانية في نقل الأسلحة إليها.
وفي عام 2023، اعترفت مدريد رسميًا بدولة فلسطين، واعتبر سانشيز القرار “مسألة عدالةٍ تاريخية”، في موقفٍ فريدٍ من نوعه بين دول أوروبا الغربية.
مقارنة الموقف الإسباني بالموقف الأوروبي العام
يتمايز الموقف الإسباني بوضوح عن الاتجاه العام في الاتحاد الأوروبي، الذي يميل في أغلب الأحيان إلى دعم إسرائيل سياسيًا وعسكريًا. فبينما تلتزم دولٌ كألمانيا وفرنسا بسياساتٍ حذرةٍ أو منحازةٍ لتل أبيب، تبدو إسبانيا أشبه بـ”الصوت الشاذّ” داخل الاتحاد، مفضّلةً أن تلعب دور الوسيط العادل بين الطرفين، حتى وإن كلّفها ذلك توتّرًا دبلوماسيًا مع بعض الشركاء الأوروبيين.
الضغوط الأوروبية والتمسك بالموقف
تواجه مدريد اليوم ضغوطًا من داخل الاتحاد الأوروبي لتخفيف لهجتها تجاه إسرائيل، إذ يُنظر إلى سياستها المتشددة باعتبارها مصدر إزعاج للتوافق الأوروبي. لكن الحكومة الإسبانية تواصل التمسك بخطها السياسي المؤيد للفلسطينيين، مدفوعةً بتأييدٍ شعبي واسع، وبقناعةٍ ترى أن الحياد الأخلاقي مستحيل في قضيةٍ إنسانيةٍ بهذا الحجم.
التطورات الأخيرة وتأثيرها على العلاقات
خلال العقدين الأخيرين، شهدت العلاقات بين إسبانيا وإسرائيل تقلباتٍ ملحوظة. ففي عام 2015، أصدرت إسبانيا قانونًا يمنح أحفاد اليهود المطرودين من شبه الجزيرة الإيبيرية في القرن الخامس عشر حق الحصول على الجنسية الإسبانية، في خطوةٍ اعتُبرت بادرة حسن نية تجاه إسرائيل والجاليات اليهودية عمومًا.
غير أنّه مع انتهاء العمل بهذا القانون عام 2023، تراجعت حرارة العلاقات مجددًا، واتخذ الموقف الإسباني منحًى أكثر تشددًا وانتقادًا لإسرائيل، خصوصًا بعد التصعيدات العسكرية الأخيرة في غزة.
الأسباب المعقّدة وراء معاداة إسرائيل في إسبانيا
تنبع مشاعر العداء لإسرائيل في إسبانيا من مزيجٍ معقد من العوامل التاريخية والسياسية والثقافية والاقتصادية. فمنذ عهد فرانكو، حرصت مدريد على اتباع سياسةٍ متوازنةٍ بين العالم العربي وإسرائيل. لكن مع تطور الصراعات في الشرق الأوسط، اتضح ميل السياسة الإسبانية تدريجيًا نحو الانحياز إلى القضية الفلسطينية، وهو موقف لم يعد محصورًا في الأطر الرسمية، بل يعبّر أيضًا عن وجدانٍ شعبي واسع يرى أن إسرائيل تتجاوز مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان في تعاملها مع الفلسطينيين.
هذا الوعي الجمعي، الممزوج بتاريخٍ طويل من التفاعل مع القضايا العربية، ساهم في ترسيخ صورةٍ نقدية لإسرائيل داخل المجتمع الإسباني، تتغذّى من المشاهد الإنسانية القادمة من غزة ومن خطاب يساري يركّز على العدالة والتحرّر.
البعد الأوروبي والدولي للموقف الإسباني
يبقى الموقف الإسباني من إسرائيل نقطة خلافية داخل الاتحاد الأوروبي وفي علاقاتها مع القوى الغربية الكبرى. فبينما تميل دولٌ أوروبية إلى الحفاظ على توازنٍ محسوب في التعاطي مع تل أبيب، تُصرّ مدريد على خطابٍ أكثر صراحةً ومبدئية، ما يجعلها أحيانًا في مواجهةٍ دبلوماسية مع بعض شركائها الأوروبيين.
ورغم ذلك، فإنّ هذا الموقف يعكس توتّراتٍ عميقة ومتجذّرة في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، إلى جانب رغبةٍ إسبانيةٍ متزايدة في لعب دورٍ داعمٍ للفلسطينيين وناقدٍ للسياسات الإسرائيلية.
خلاصة
يمكن القول إنّ موقف إسبانيا المؤيد للفلسطينيين ليس مجرد ردّ فعلٍ سياسيٍ آني، بل هو امتدادٌ لتوجّهٍ تاريخيٍ متجذّر في سياستها الخارجية. ورغم تعارض هذا التوجه مع الموقف الأوروبي التقليدي الداعم لإسرائيل، تواصل مدريد الثبات على رؤيتها المستقلة، متجنبةً الانصياع لضغوط بروكسل أو التماهي مع الموقف الأوروبي العام.
إنّ هذا الثبات يعكس عمق الروابط التاريخية والثقافية التي تجمع إسبانيا بالعالم العربي، والتي لا تزال حتى اليوم تشكّل أحد المحاور الأساسية في صياغة سياستها الخارجية تجاه القضية الفلسطينية.

د. خالد العزي
كاتب ومحلل سياسي لبناني مختص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية. يُعرف بآرائه النقدية والتحليلية. يظهر الدكتور العزي اهتمامه بالقضايا السياسية اللبنانية والإقليمية، وتحليله للأحداث من منظور العلاقات الدولية.
