الأهداف والقدرات وأوهام الهيمنة الأميركية الإسرائيلية

في الشرق الأوسط لا تُرسم الخرائط بالحبر، بل بالنار والدم والنفط. وما كان يُطرح بالأمس في غرف التحليل بوصفه احتمالاً أو سيناريو افتراضياً، أصبح اليوم واقعاً يتشكل على الأرض.

لقد اندلعت الحرب على إيران، وبدأت المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة رسم موازين القوة، مرحلة لا تتعلق فقط بضربات عسكرية أو رسائل ردع، بل بصراع مفتوح على شكل الشرق الأوسط القادم.

هذه الحرب ليست مجرد مواجهة بين دولتين، بل فصل جديد من معركة طويلة حول من يمتلك القدرة على التحكم في مفاصل الإقليم: الممرات البحرية، وأسواق الطاقة، وشبكات النفوذ الممتدة من الخليج إلى البحر المتوسط. وبينما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى فرض واقع استراتيجي جديد، تحاول إيران أن تثبت أن قدرتها على الصمود والمناورة ما زالت قادرة على قلب الحسابات.

اندلاع الحرب على إيران يكشف أن الصراع في الشرق الأوسط تجاوز منذ سنوات حدود الأزمات التقليدية. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالبرنامج النووي الإيراني أو بملف الصواريخ الباليستية، بل بوجود مشروعين متعارضين لإدارة المنطقة.:

  • المشروع الأول تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، ويقوم على إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بحيث تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً، وتظل واشنطن اللاعب الرئيسي القادر على إدارة ممرات الطاقة والتحالفات الأمنية في المنطقة.
  • أما المشروع الثاني، الذي تمثله إيران، فيعتمد على بناء نفوذ إقليمي غير تقليدي قائم على شبكة من الحلفاء والقوى المحلية الممتدة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. هذه الشبكة، التي تطورت على مدى أربعة عقود، أصبحت تشكل ما يشبه العمق الاستراتيجي لطهران، وجعلت أي مواجهة عسكرية معها تحمل في طياتها احتمالات اتساع الصراع خارج حدودها.

ومن هنا تتضح طبيعة الحرب الحالية: فهي ليست حرب إسقاط نظام بالضرورة، بل حرب تحجيم وإعادة تموضع. الهدف الأساسي هو تقليص قدرة إيران على التأثير في موازين القوة الإقليمية، وضرب بنيتها العسكرية والتكنولوجية التي تمكّنها من تهديد إسرائيل أو تعطيل حركة الطاقة في الخليج.

لكن هذه الحسابات العسكرية تصطدم بواقع جيوسياسي شديد التعقيد. فإيران ليست معزولة تماماً، كما أن المنطقة نفسها مليئة بنقاط الاشتعال. أي تصعيد واسع قد يفتح جبهات أخرى في الخليج أو العراق أو لبنان، وقد يمتد تأثيره إلى الممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز أو باب المندب، وهي شرايين حيوية للتجارة والطاقة العالمية.

كما أن أسواق النفط العالمية تقف على حافة اضطراب كبير، لأن أي خلل في تدفق الطاقة من الخليج سيؤدي إلى موجة ارتدادات اقتصادية تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتصل إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

وهنا يظهر البعد الأكثر خطورة في هذه الحرب: محاولة إعادة رسم الشرق الأوسط بالقوة. فالتاريخ القريب يذكّرنا بأن مشاريع الهندسة الجيوسياسية في المنطقة كثيراً ما تنقلب على أصحابها. لقد اعتقدت الولايات المتحدة بعد غزو العراق عام 2003 أنها ستعيد تشكيل المنطقة وفق رؤيتها، لكن النتيجة كانت ولادة مرحلة طويلة من الفوضى وعدم الاستقرار.

في النهاية، الحرب على إيران تمثل لحظة فاصلة في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر. فهي ليست مجرد معركة عسكرية، بل اختبار حقيقي لقدرة القوى الكبرى على إعادة صياغة التوازنات الإقليمية. غير أن التجربة التاريخية للمنطقة تشير إلى حقيقة أساسية: الشرق الأوسط لا يخضع بسهولة لمشاريع الهيمنة المطلقة. فكل محاولة لفرض نظام إقليمي بالقوة غالباً ما تفتح الباب أمام قوى جديدة وتوازنات غير متوقعة.

لذلك قد تنجح هذه الحرب في إضعاف إيران أو تحجيم نفوذها، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح مرحلة جديدة من إعادة تشكل القوى الإقليمية، مرحلة لا يمكن التنبؤ بكل ملامحها الآن. فالشرق الأوسط، كما عرفه التاريخ، لا يعيد إنتاج نفسه إلا عبر الصراع. وكل حرب كبرى فيه ليست نهاية مرحلة فحسب، بل بداية لمرحلة أكثر تعقيداً وغموضاً!

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.