جنوب لبنان يعيد رسم معادلات المواجهة

أعاد إعلان الجيش الإسرائيلي مقتل عدد من عسكرييه، بينهم ضابط، في جنوب لبنان، تسليط الضوء على تحوّل نوعي وعميق في مسار المواجهات المستمرة منذ مطلع آذار 2026. فالتصعيد لم يعد يندرج ضمن إطار تبادل النيران المحدود أو الضربات الجوية المتقطعة، بل انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً وتشابكاً، أقرب إلى اشتباك مفتوح تتداخل فيه عناصر متعددة، من بينها انخراط مباشر لشبان القرى والبلدات في المواجهات البرّية.

ويأتي هذا التحوّل في سياق حملات جوية وبرية واسعة النطاق طالت معظم الجغرافيا اللبنانية، وأفضت إلى تدمير واسع طال قرى وبلدات في الجنوب، إضافة إلى أحياء واسعة في الضاحية الجنوبية لبيروت. وقد أسهم هذا الواقع في إعادة تشكيل طبيعة المواجهة، بحيث لم تعد مقتصرة على إطار عسكري تقليدي، بل اتسعت لتشمل تفاعلات ميدانية واجتماعية متداخلة.

في هذا السياق، لم تعد المواجهة مجرد صراع بين قوتين عسكريتين تقليديتين، بل أخذت تتشكّل كاشتباك مفتوح تتداخل فيه الجبهة الميدانية مع الحاضنة الاجتماعية، بما يعكس انتقال الصراع إلى مستوى أكثر حساسية وتعقيداً، حيث تتراجع الحدود الفاصلة بين المهاجم والمدافع، وتتسع رقعة الاشتباك أفقياً وعمودياً في آنٍ معاً.

ميدانياً، تحوّل ما يجري في الجنوب إلى نمط قتالي يفرض قواعد اشتباك جديدة ويعيد تعريف طبيعة المواجهة. فالتضاريس المتداخلة من تلال ووديان لا تشكّل عائقاً أمام حركة القوات النظامية المهاجمة فحسب، بل تتحول إلى عنصر فاعل في القتال، يحدّ من فعالية الضربات الجوية والنيران بعيدة المدى، ويفرض إيقاعاً مختلفاً لسير العمليات العسكرية.

ضمن هذه البيئة، يتراجع منطق الحسم السريع أمام واقع ميداني شديد التعقيد، يتسم بمرونة عالية وقدرة مستمرة على المباغتة، سواء عبر تحركات من تحت الأرض أو من خلف الأنقاض، إضافة إلى نمط اشتباك يقوم على مواجهات قصيرة ومتقطعة. وفي هذا السياق، تصبح المرونة التكتيكية والانضباط الناري والقدرة على التموضع السريع عوامل حاسمة في ترجيح كفّة الميدان.

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن تحوّل أعمق في بنية الصراع، حيث انتقل من نمط الاشتباك عن بُعد إلى نمط الاحتكاك المباشر والمكثف. هذا الانتقال لا يغيّر أدوات القتال فحسب، بل يعيد صياغة معادلة المواجهة برمّتها.

ففي المعادلة القتالية الجديدة، تتقدّم ديناميكيات الميدان القريب على حساب التفوق التقني، وتتداخل المستويات التكتيكية مع الأهداف الاستراتيجية ضمن حيّز عملياتي ضيق وسريع التغير، ما يجعل القرار الميداني أكثر آنية وحساسية.

في المقابل، يتقلص هامش الخطأ إلى حدوده الدنيا، فيما تتسع دائرة التداعيات لتتجاوز البعد العسكري، وتمتد إلى توازنات سياسية وأمنية واقتصادية معقدة، ما يمنح هذه المواجهة طابعاً بنيوياً يتجاوز حدود الجغرافيا ليطال معادلات القوة في المنطقة ككل.

في هذا السياق، تكتسب الخسائر التي أعلن عنها الجيش الإسرائيلي دلالة عسكرية إضافية، خصوصاً مع الإشارة إلى انتماء بعض القتلى إلى وحدات استطلاع نخبوية. فزجّ هذه الوحدات في الخطوط الأمامية يعكس محاولة لاختراق البنية القتالية المقابلة عبر عمليات دقيقة، إلا أن تكبّدها خسائر بشرية ومادية يشير إلى بيئة عملياتية معقدة، تتسم بقدرة الطرف المدافع على الرصد والمباغتة وإدارة الاشتباك ضمن مساحات تماس ضيقة، ما يحدّ من الميزة النوعية لهذه الوحدات.

هذا الاستعصاء الميداني يوجّه رسالة واضحة إلى المستوى السياسي والعسكري في تل أبيب، مفادها أن التفوق الجوي، رغم قدرته التدميرية العالية واعتماده سياسة الأرض المحروقة، لم ينجح في تأمين مظلة حماية فعالة للقوات البرية، المدعومة بأحدث أنواع الدبابات. كما يشير إلى أن الدخول إلى القرى والبلدات اللبنانية لا يشكّل عملية تكتيكية سهلة، بل يضع القوات المهاجمة أمام بيئة قتال معقدة تحدّ من تفوقها النوعي.

وتشير المعطيات الميدانية إلى اعتماد نمط قتالي قائم على الاستدراج التكتيكي، عبر سحب القوات المتقدمة إلى نقاط اشتباك محددة سلفاً، تُستثمر فيها الجغرافيا لإضعاف التفوق الناري. كما يبرز استخدام تكتيكات الاستنزاف المركب، التي لا تقتصر على الاشتباك المباشر، بل تمتد إلى استهداف سلاسل الإمداد وعمليات الإخلاء، بما يرفع الكلفة العملياتية ويطيل أمد المواجهة.

في هذا السياق، يبرز الجنوب اللبناني مرة أخرى كساحة ذات طبيعة قتالية معقدة، حيث تفرض الجغرافيا وتكتيكات القتال القريب معادلات مختلفة عن الحروب التقليدية. وتؤشر هذه التطورات إلى مرحلة جديدة من المواجهة، تتسم بتداخل العوامل العسكرية والميدانية مع الأبعاد السياسية والاستراتيجية، بما يعيد رسم معادلات القوة في جنوب لبنان، ويجعل هذه الجبهة أحد أبرز نقاط التحول في مسار الصراع الإقليمي، حيث تبتلع التضاريس الأساطير العسكرية، وتُكتَب معادلات التضحية بمداد من الدم والنار فوق التلال وخلف الأنقاض وتحت الخنادق. هي معادلات لا ولن تمنح أسرارها إلا لأهلها.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.