شهدت المرحلة الممتدة بين خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وخطاب مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران الإمام الشهيد علي الخامنئي في شباط 2026 لحظة انتقال نوعي في طبيعة الفعل السياسي الدولي: من إنتاج المعنى عبر الخطاب إلى إنتاج الالتزام عبر الأرقام.
لم يكن التباين بين الخطابين مجرد اختلاف في تقدير التهديد، بل تجسيداً لتحول أعمق في منطق إنتاج المصداقية ذاته: من خطاب يسعى إلى تشكيل المعنى، إلى نظام يسعى إلى تنظيم الالتزام.
يمكن فهم هذه اللحظة ضمن أفق معرفي أوسع، حيث تتراجع شرعية “السرديات الكبرى” لتلحق بها أنظمة تشغيل قائمة على الأداء والتحقق. وقد عبّر الفيلسوف الفرنسي جان-فرانسوا ليوتار عن هذا التحول عندما عرّف الحالة ما بعد الحداثية بأنها تقوم على “عدم التصديق تجاه السرديات الشاملة”، أي انتقال الشرعية من الرواية الأيديولوجية إلى الإجراء التقني.
في هذا السياق، يلتقي منطق الالتزام عند توماس شيلينغ، ومعيار القابلية للتفنيد عند كارل بوبر، والبنية الشرطية لـ نعوم تشومسكي في نقطة جوهرية: أن مصداقية الفعل السياسي لا تنبع من قوته الخطابية، بل من قابليته لأن يُدمج داخل نظام يسمح باختباره.
نمطان للمصداقية السياسية
- نموذج المصداقية المشروطة: في خطاب حالة الاتحاد (24 فبراير 2026)، انتقل الرئيس ترامب من استراتيجيته السابقة القائمة على “الغموض” إلى تعريف الردع عبر عتبة تقنية محددة تتعلق بمستوى تخصيب اليورانيوم. هنا يتحول الردع إلى معادلة شرطية: “إذا تجاوز الإيرانيون مستوى التخصيب X، فسيتم تفعيل النتيجة Y”.
هذا التحول ينسجم مع تحليل توماس شيلينغ للتمييز بين “الوعيد” الذي يحتاج مصداقية آنية، و”الوعد” الذي يتطلب قابليته للتنفيذ المستقبلي . التهديد المرتبط بعتبة تقنية يحوّل الردع من “صندوق أسود” للنوايا إلى نظام إنذار وآلية مستقلة لإدارة المخاطر، مما يحل معضلة الاستسلام المستحيل سياسياً الناتج عن التهديدات الشاملة. - نموذج المصداقية الاتساقية: في المقابل، استند خطاب الإمام الشهيد علي الخامنئي إلى شرعية الاستمرارية التاريخية واتساق الهوية السياسية. هنا لا تعتمد المصداقية فقط على إمكانية التحقق الآني التي تبناها في خطاباته السابقة، بل زاد اليها: “الاتساق طويل الأمد” وقدرة النظام على الصمود عبر الزمن منذ انتصار الثورة عام 1979 وذكر ذلك في خطابه الأخير.
التفكيك البنيوي وما بعد الحداثة
يتجلى هنا دور ما بعد الحداثة كما وصفه ليوتار: “تبسيط الأمور إلى أقصى حد، وباختصارٍ شديد، فان ما بعد الحداثة هي فقدان الثقة و الشك وعدم التسليم للسرديات الكبرى”.
في جنيف 2026، يتم تفكيك الانقسامات الأيديولوجية وتحويلها إلى مشاكل قابلة للحل عبر الخبرة التقنية. حيث يحل مبدأ الأدائية (performativity) محل المعايير التقليدية للصواب والخطأ؛ فلم يعد السؤال “من على حق؟” بل “ما هي الآلية التي تضمن الامتثال؟”.
القابلية للتكذيب كأساس للمصداقية
يظهر هنا تقاطع مباشر مع تصور الفيلسوف كارل بوبر الذي رأى أن النظرية تكون علمية بقدر ما تكون قابلة للتكذيب. كلما أصبح الادعاء السيادي قابلاً للفحص والتفنيد، ازدادت مصداقيته.
ضعف المصداقية الدولية يحدث إذا كان التهديد غامضاً وغير قابل للاختبار.
مصداقية طردية تزداد عندما يكون التهديد مرتبطاً بعتبة قابلة للرصد.
البنية الشرطية ومنهج نعوم تشومسكي
يمكن قراءة هذه المعادلة عبر منظور نعوم تشومسكي، حيث تقوم البنية التوليدية على العلاقات الشرطية بين العناصر. في هذا الإطار، يُعد الردع “بنية شرطية” وليس مجرد موقف خطابي. فالمصداقية لا تُستمد من وعود النوايا، بل من قابلية النظام لإنتاج استجابات تلقائية عند تحقق شروط محددة.
جنيف كفضاء لترجمة المعايير (الهندسة العكسية للثقة)
أظهرت الجولة الثالثة من مفاوضات جنيف (26 شباط 2026) انتقالاً من التباين النظري إلى البحث عن صيغ تشغيلية:
- المقترحات الإيرانية: أكد عباس عراقجي أن الاتفاق بات في المتناول إذا تم تبني مبادئ تضمن الحقوق وتخضع للفحص التقني (CBS News, 2026).
- الوساطة العمانية: أكد بدر البوسعيدي نجاح مسقط في خلق أجواء انفتاح غير مسبوقة لتحويل الصراع إلى حوار إجرائي (ONA, 2026).
- المراجعة الأمريكية: عكس تصريح ستيف ويتكوف نقلا عن الرئيس ترامب استغرابه من عدم استسلام ايران، عكس تساؤلاً جوهرياً حول صلابة الموقف الإيراني، مما يعكس فشل نموذج “التهديد الشامل” أمام “سوسيولوجيا الصمود” (PBS News, 2026).
من الخطاب إلى البنية التقنية
التحول في جنيف تمحور حول ثلاث ركائز:
- نسب التخصيب: الالتزام بنطاق مدني (3.67% – 5%) مع مراقبة دقيقة؛ أي تحويل الردع إلى رقم.
- تخفيف العقوبات: ربط الاقتصاد بـ “مؤشر أداء” سياسي وتقني.
- آلية الاستجابة: بروتوكول يسمح برد فعل تلقائي عند أي انحراف، مما يحول الالتزام إلى فعل مؤسسي قابل للقياس.
إعادة تعريف النجاح السياسي
تجربة جنيف توضح أن مصداقية الفعل الدولي تتعزز كلما أصبحت قابلة للفحص والتقييم العملي. النجاح هنا لا يكمن في “تسوية سياسية” هشّة، بل في تحويل الصراع من لعبة محصلتها صفر إلى إدارة مشتركة للمخاطر عبر بنية تشغيلية مستدامة.
المصداقية تتحول من “خاصية خطابية” مرتبطة بكاريزما الزعيم، إلى “خاصية بنيوية” مرتبطة بدقة البروتوكول التقني.

د.عاطف الموسوي
المدير السابق لمعهد العلوم الاجتماعية – الفرع الأول في الجامعة اللبنانية. حاصل على دكتوراه في العلوم الاجتماعية ودبلوم دراسات عليا في علم الاجتماع السياسي. في رصيده مجموعة من الأبحاث والدراسات. شارك في عدد من المؤتمرات العلمية في الداخل والخارج منها مؤتمر أبو ظبي للإعلام عام 2012.
