تشهد البيئة الاستراتيجية الدولية اختباراً متزايداً لواحدة من أكثر المسلّمات رسوخاً منذ نهاية الحرب الباردة، وهي أنّ التفوّق العسكري الساحق يمنح الدول الكبرى القدرة على فرض النتائج السياسية التي تسعى إليها. فقد استند النظام الدولي، الذي تشكّل بعد عام 1991، إلى قناعة مفادها أنّ الفجوة الهائلة في القدرات العسكرية بين القوى العظمى وخصومها كفيلة بإخضاع الأطراف الأضعف وإجبارها على التكيّف مع الترتيبات السياسية التي تفرضها موازين القوة. غير أنّ التطورات المرتبطة بالمواجهة الدائرة مع إيران تشير إلى أنّ هذه الفرضية تواجه اليوم تحدّياً استراتيجياً متنامياً يعيد صياغة مفهوم الانتصار نفسه.
تكمن أهمية المشهد الراهن في أنّ التصعيد العسكري لم يؤدِّ حتى الآن إلى إنتاج مسار سياسي متناسب مع حجم القوة المستخدمة. فبالرغم من امتلاك الولايات المتحدة وإسرائيل تفوّقاً نوعياً وتقنياً واضحاً، ما تزال إيران قادرة على المحافظة على مساحة مؤثرة من المبادرة السياسية. ولا يعود ذلك إلى تحقيق إنجازات عسكرية حاسمة بالمفهوم الكلاسيكي، وإنما إلى نقل الصراع إلى «المنطقة الرمادية» (Gray Zone Warfare)، وهي البيئة التي تقع بين السلام الشامل والحرب المفتوحة. في هذه المنطقة، تفقد الأسلحة الفتّاكة والمكلفة، كطائرات الجيل الخامس والدفاعات الصاروخية الباهظة الثمن، ميزتها الحاسمة أمام أدوات استنزافية منخفضة الكلفة، كالمسيّرات وحروب الوكالة، ما يجعل كلفة الحسم السياسي أعلى بكثير من كلفة استمرار المواجهة.
ويكشف هذا الواقع عن تحوّل جوهري في طبيعة الصراعات الحديثة. فالحروب لم تعد تُقاس فقط بحجم الخسائر المادية التي يمكن إلحاقها بالخصم، بل بمدى القدرة على ترجمة الإنجازات العسكرية إلى نتائج سياسية مستقرة. وفي كثير من الأحيان، تستطيع الأطراف الأقل قوة عسكرياً أن تعوّض ضعفها التقليدي عبر تكتيك «الجغرافيا السياسية الموزّعة». فبدلاً من وجود «مركز ثقل» واحد يسهل استهدافه وتطويقه، نجحت إيران في ربط ساحات متعدّدة، من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن وغزة، في شبكة دفاعية وهجومية متكاملة. وتعني شبكة التوزيع هذه أنّ القوة التقليدية لخصومها، ومهما بلغت شدّتها، تصبح عاجزة عن إنهاء التهديد بضربة قاضية، بل إنّ أي محاولة للحسم العسكري الشامل تهدّد بتفجير أطراف الشبكة بالكامل، وتوسيع نطاق التعقيدات الجيوسياسية بصورة لا يمكن السيطرة عليها.
ومن هذا المنظور، تبدو الأزمة الحالية أكثر ارتباطاً بمفهوم «إدارة التصعيد» منها بمفهوم السحق العسكري. فالطرف الذي يمتلك القدرة على التحكّم بإيقاع التصعيد وتوقيته ومساراته يكتسب نفوذاً سياسياً يتجاوز بكثير ما تسمح به قدراته العسكرية المباشرة. وتكمن المفارقة في أنّ الدول الأقوى عسكرياً تصبح أحياناً أكثر حساسية تجاه توسّع الصراع، بسبب تشابك مصالحها الإقليمية والدولية وحرصها على استقرار الأسواق العالمية.
بالإضافة إلى ذلك، لم يعد الميدان محصوراً في الحدود الجغرافية، بل انتقل إلى «مجال المعلومات والسرديات» في عصر الترابط الرقمي وعولمة الإعلام. فالقوى الأقل تفوّقاً عسكرياً وتقنياً تستطيع أن تحقّق «انتصاراً سياسياً وأخلاقياً» عبر توظيف الرأي العام وصناعة سردية تُظهر القوى الكبرى بمظهر العاجز عن الحسم أو المعتدي المفرط في استخدام العنف.
لقد أظهرت تجارب العقود الماضية أنّ التفوّق العسكري يصبح قاصراً عندما يفتقد إلى أدوات سياسية قادرة على استثمار نتائجه. فالقوة المسلحة تستطيع تدمير البنية التحتية والمنشآت العسكرية، لكنها لا تضمن وحدها تغيير السلوك السياسي للطرف المستهدف، أو فرض ترتيبات استراتيجية دائمة. وعندما يفشل الضغط العسكري في تحقيق أهدافه السياسية، تبدأ «حلقة التصعيد المتدرّج»، حيث يؤدي الإخفاق العملياتي الأول إلى مزيد من الضغوط العسكرية، ويؤدي التوسع في استخدام القوة إلى زيادة المخاطر والتكاليف، من دون ضمان تحقيق مكاسب سياسية مقابلة.
وما يزيد هذه الحلقة تعقيداً هو صعود «عصر التعددية القطبية». فلم يعد الصراع يدور في فراغ دولي كما كان الحال في حقبة القطب الواحد خلال تسعينيات القرن الماضي، إذ تستفيد القوى الإقليمية اليوم من العودة القوية لملامح الحرب الباردة والمنافسة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. هذا المناخ الدولي يمنح الأطراف المستهدفة، مثل إيران، شبكة أمان سياسية واقتصادية تمنع الضغط العسكري الغربي من الوصول إلى نقطة الخنق الكامل، من خلال إيجاد «بدائل استراتيجية» لدى الأقطاب الدولية المنافسة للغرب.
وعليه، لا تبدو المسألة الأساسية مرتبطة بقدرة الولايات المتحدة أو إسرائيل على توجيه ضربات مؤثرة داخل إيران. فهذه القدرة التقنية ليست محل شك، وإنما يتعلّق التحدي الحقيقي بمدى قدرة تلك الضربات على إنتاج تحوّل سياسي واستراتيجي ينسجم مع الأهداف المعلنة للحرب. فالفارق بين النجاح العملياتي والنجاح الاستراتيجي أصبح إحدى أهم الإشكاليات التي تواجه القوى العسكرية الكبرى في القرن الحادي والعشرين.
وعليه، فإنّ الأثر الأوسع لهذه المواجهة قد لا يتجسّد في نتائجها الميدانية المباشرة، بل في الدروس التي ستتركها بشأن حدود القوة العسكرية في عالم يتّسم بتزايد الترابط والتعقيد. لقد تحوّلت القوة العسكرية، جوهرياً، من أداة لـ«فرض الحلول السياسية الدائمة» إلى مجرّد آلية لـ«تحسين شروط التفاوض». وإذا انتهى الصراع الحالي من دون تحقيق الأهداف السياسية المرجوّة، رغم استخدام مستويات غير مسبوقة من التكنولوجيا والقدرة التدميرية، فإنّ ذلك سيقضي نهائياً على إرث الحرب الباردة، ويعزّز الاعتقاد بأنّ القدرة على الصمود، وإدارة التصعيد، والتحكّم بالشبكات الجيوسياسية الموزّعة، أصبحت عناصر حاسمة في تحديد نتائج الصراعات الدولية، تفوق في أهميتها امتلاك التفوّق العسكري الكلاسيكي نفسه.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
