في أروقة قصور العدل اللبنانية، حيث يُفترض أن يتجسّد مفهوم العدالة، يعيش «العمود الفقري» لهذه المؤسسة – المساعدون القضائيون – حالةً من القهر الممنهج. بالأمس، كان لي اتصال هاتفي طويل مع أحد القيّمين على الإضراب الاحتجاجي، وقد مرّ خلال هذا التواصل عددٌ من الأفكار التي دفعتني إلى الاهتمام بتظهير هذه المشكلة بأبعادها الوطنية، لما لها من تأثير مباشر على حال العدالة المترنّحة، ما بين إضرابات واعتكافات من جهة، وادعاءات على قضاة باغتصاب السلطة، وأخرى على محامين، وكل هؤلاء قضاة ومحامون يكفي ذكر أسمائهم مقرونة بالجهات التي قرّرت ملاحقتهم، تواطؤًا أو عمدًا، كي يكونوا فوق كل الشبهات. فكيف لي أن ألتزم صمت قلمي إن سمعت كلامًا مفاده: «لا أحد يشعر بنا أو يريد أن يشعر بنا»، أو عبارة قوامها: «نحن لا نستطيع التحدّث عن وجعنا قانونًا، وإن تحدّثنا فسنتضرّر كثيرًا في ظل التهديدات الناعمة والخشنة التي وصلت إلينا»؟
إن الرؤى القاصرة تُنكر على المساعدين القضائيين حقهم في رفع الصوت، تحت ذريعة «الإكراميات» التي يتقاضونها. فمن يرى في دور العدل ظاهرة الإكراميات، ويتعامى عن ظاهرة «الأكياس المتنقّلة» في زمن الأعياد، لديه خلل بنيوي في حكمه على الأمور. إن ظاهرة «الإكراميات»، وهي ظاهرة مدانة، إنما جاءت وليدة نظام عاجز عن تأمين الكفاية، ونظام يريد أن يُقنع المجتمع بأن كل ما يرتبط بالقطاع العام فاسد، وشتّان بين ما يطاله العصفور وما تطاله الصقور.
كما أن «السُلف» الممنوحة للمساعدين القضائيين من أجل القيام بمهمات يفرضها حسن سير الملف العالق أمام المحكمة، إنما تصدر بقرارات قضائية، وهي بالتالي يُفترض فيها أن تراعي مبدأ «مجانية التقاضي»، المؤتمن على حُسن تطبيقه جناحا العدالة: القضاة والمحامون. إن الهدف الأسمى للإضراب الاحتجاجي كان حماية الغالبية ذات «المِنعة الأخلاقية»، كما عشرات العاملين في مراكز ومواقع لا تدرّ إيرادًا مستدامًا لانعدام المهمات التي يُكلّفون بها وينتج عنها «سُلف». هذه الفئة تدفع الثمن الأكبر لصمت الدولة.
المساعدون القضائيون في دور العدل اللبنانية ليسوا موظفين عاديين؛ فهم الروح الإدارية والنظامية التي تُحوّل القرار القضائي إلى واقع. ومع ذلك، فإن مشاهد اعتكافاتهم المتكرّرة – وآخرها الاعتكاف لمدة ستة أيام خلال شهر كانون الأول 2025 – ليست سوى الفصل الأحدث في سردية طويلة من الترقيع الرسمي المتعمّد لتسوية أوضاعهم، كما تسوية أوضاع جميع العاملين في القطاع العام. وإن كنّا نختصر الكلام عن المساعدين القضائيين، فإن إهمال أوضاعهم يكشف عن اهتراء في مرفق العدالة من الداخل، تحت وطأة الأزمة وغياب الإرادة السياسية.
الراتب لا يؤمّن الكفاية ويدفع إلى مخالفة المِنعة الأخلاقية
هناك مأساة يتسبّب بها الإضراب على المتقاضين والمحامين، دون شكّ أو ريب. لكن بموازاة مأساة انتظار المتقاضين حيث تعقد جلسات المحاكمة كل أربعة أشهر مرّة في أحسن الأحوال، ثمة مأساة يومية مستمرّة، وهي جرح نازف في جسد العدالة، تتعلّق برواتب العاملين في هذا القطاع العام. فرئيس القلم اليوم، على سبيل المثال، الذي أمضى في وظيفته أكثر من ثلاثين عامًا، لا يتقاضى عن عمله أكثر من 570 دولارًا أميركيًا شهريًا، بشكل نظامي وقانوني، مع كل الملحقات والحوافز والرسوم المستحدثة. فهل يمكن لإنسان عاقل أن يتخيّل ربّ أسرة مسؤولًا عن عائلة تحتاج إلى الرعاية والاهتمام، يعيش في لبنان، وراتبه الشهري لا يمكن أن يسدّ حاجاته الأساسية؟
إن استمرّ الإهمال، فما هي الرسالة التي نبعث بها إلى هؤلاء المساعدين القضائيين؟ هل نُخفي عجز الدولة من خلال الثناء على ظاهرة «الإكراميات» بدل لجمها واقتلاعها من جذورها، كونها الوصف التجميلي لجرم الرشوة الذي يُرتكب يوميًا في مرفق العدالة، بمعرفة جميع المعنيين؟ إن الراتب الشهري بات، بجميع لواحقه ومخصّصاته، مجرّد صيغة مالية هجينة، مصمّمة للإرباك والتقليل من قيمة الحق، لا لتحقيق الكفاية والمِنعة الأخلاقية.
ما وراء الراتب: انهيار شبكة الأمان الصحي والمعاشي
هذه الأزمة المالية، رغم أهميتها، ليست إلا قمّة جبل الجليد الظاهر. فالصورة الأكثر قتامة تكمن في الانهيار المتكامل لشبكة الأمان الاجتماعي، بعد أن تحوّلت تعاونية موظفي الدولة من مؤسسة ضامنة للصحة إلى هيكل فارغ. فالتغطية التي كانت تصل إلى 90% من كلفة العملية الجراحية أصبحت تقدّم مبالغ رمزية. ما يحصل ليس نقصًا في الدخل فحسب، بل تهديد مباشر لحياة الموظفين العامّين الذين يعملون في مواقع شديدة الحساسية، ويمتدّ هذا الخطر ليطال كل أفراد عائلاتهم. أمّا التقاعد نفسه، فقد تحوّل إلى عقوبة، إذ يُحتسب على أساس الراتب القديم المتدنّي، ليتقاضى الموظف بعد ثلاثين عامًا من الخدمة مبلغًا لا يساوي ثمن هاتف خلوي.
التحوّل من «العدلية» إلى «الظلمية»
في مواجهة هذا الصمت الرسمي، المشغول بترميم صورة القطاع المصرفي والقيّمين عليه، كونه قطاعًا قادرًا على الرعاية وإعطاء التقديمات السخية للسياسيين، اضطرّ المساعدون القضائيون إلى ابتكار «حلولهم الخاصة» وسط الانهيار العام، وأخذوا من القضاة الذين يعملون معهم قدوة لفرض «رسم قضائي» غير منصوص عليه قانونًا (200 ألف ليرة على كل معاملة)، لتمويل صندوقهم التعاوني. وهذا الرسم، الذي لا يعود على المساعد القضائي بخمسين دولارًا شهريًا في أحسن الأحوال، ليس إلا تعبيرًا عن يأس مؤسساتي عميق.
إن فرض الكفاية من خلال الاقتصاديات الموازية والترقيعات الفوضوية هو نتاج طبيعي لغياب سياسة مالية شاملة للنهوض بالقطاع العام، الذي يُراد له أن يبقى مرتعًا للفساد والبطالة المقنّعة. ومع ذلك، تتحوّل «العدلية» إلى «الظلمية»، كساحة يحاول فيها كل مكوّن البحث عن وسائل بقاء خاصة، في مشهد يذكّر بانهيار الدولة ذاتها.
قضاء مُحتاج إلى من يُشغِّله
تكشف الأزمة عن مفارقة قاتلة: فبينما يحتاج لبنان المنهوب إلى قضاء قوي أكثر من أي وقت مضى لمحاسبة المجرمين وحلّ النزاعات الهائلة، تعكس هذه الأزمة كيف تُهمَّش اليوم العناصر البشرية التي تُشغِّل هذا القضاء. النتيجة معروفة سلفًا: شلل تام، وجلسات تتأجّل لأشهر طوال، وحقوق تتجمّد، وثقة تُسحق بكل القائمين على مرفق العدالة.
والمحامون، كجهة شريكة، يخسرون بدورهم ثقة الموكّلين باستراتيجيات دفاعهم عن الحق ووعودهم المتعلّقة بآجال تحصيل الحقوق لأصحابها، ما يخلق توتّرًا في علاقاتهم مع زبائن مكاتبهم، ولا سيّما عند طرح السؤال الأليم والمحزن: «هل سنكون محظوظين لنحصل على أكثر من جلستين أو ثلاث جلسات محاكمة خلال هذا العام؟». أمّا الخسارة التي تطال أعضاء الجسم القضائي، فلا حاجة للإضاءة عليها، إذ يكفي إحجام الناس عن اللجوء إلى التقاضي لمعرفة عمق الأزمة، بعدما عاد معظمهم إلى الاتّكال على «شيخ العشيرة» أو «وجهاء الشوارع والحارات» لحلّ النزاعات وتحصيل الحقوق بسرعة، وبكلفة أقلّ على صاحب الحق.
أدوات تفكيك الحقوق: من الترقيع إلى التخويف
لا تقتصر الاستراتيجية على الوعود الترقيعية من قبل الوزراء في الحكومة أو مساعديهم، والسعي إلى تفكيك سريع لكل اعتكاف أو إضراب، بل يتعدّى الأمر ذلك إلى استعمال أساليب مكشوفة، عبر مجموعات مشبوهة، لتخويف أصحاب الحق والمشاركين معهم في رفع الصوت والسقف، كلّ ذلك بهدف خلق الفتنة في ما بينهم وتشتيت صفوفهم. ولا يمكن إغفال محاولات التضليل، عبر الإيحاء بتورّط من يتبنّون قضاياهم المحقّة. الرسالة واضحة: «لا مكان للحقوق في معادلة السلطة القائمة».
خطة إنقاذ: من المطالبة الفئوية إلى الإصلاح الوطني
إن نداء المساعدين القضائيين الذي أُطلق في الأيام الستة الأخيرة يمثّل صرخة استغاثة من أجل إنقاذ الكرامة والمِنعة الأخلاقية، وهو جرس إنذار لإنقاذ مؤسسة العدالة نفسها. ويتطلّب الحلّ انتقالًا من منطق المطالبات الفئوية إلى خطة إصلاح وطنية، قوامها ثلاث ركائز: الأولى، وجود راتب عادل ومحميّ، يُدخل بقيمته الكاملة في المعاش، عبر آلية تنسيق واضحة بين وزارتي المال والعدل. والثانية، السير بخطى ثابتة نحو إصلاح جذري للتغطية الصحية لتعاونية موظفي الدولة، بشراكة حقيقية وفاعلة مع قطاع الصحة. أمّا الثالثة، فوضع خطة طوارئ لإنقاذ البنية التحتية لمرفق العدالة، يكون تمويلها عبر موارد استثنائية قد تستلزم فرض رسوم تضامنية على القطاعات الأكثر ربحًا.
هذه الركائز ليست إجراءات تقنية فحسب، بل تشكّل استثمارًا ذكيًا وضروريًا في مشروع استعادة سلطة الدولة.
إن إضراب المساعدين القضائيين، الذي تزامن مع حراك موظفي القطاع العام، احتوى على مطالب مشتركة تتعلّق بالإصلاح المالي للدولة. والأهم من ذلك، تبرز ضرورة فتح حوار جدّي مع جميع الجهات المعنية بحسن سير القطاع العام، من شركات ومؤسسات القطاع الخاص، ونقابات المهن الحرّة، وعلى رأسها نقابة المحامين في بيروت. فالإصلاح الجذري للقطاع العام من شأنه أن ينعكس تحسّنًا مباشرًا في أوضاع المساعدين القضائيين، وهو شرط أساسي لاستعادة فعالية العدالة التي يحتاجها المحامون وموكّلوهم، وكذلك الثقة التي يحتاجها مرفق العدالة كي يستمرّ بعيدًا عن محاولات التهشيم التي تأتي من الخارج، أو الانتقامات الحاقدة التي تأتي من مرضى نفسيين في الداخل.
إن الأمر يحتاج إلى حلول خلّاقة، وإلى أشخاص يمتلكون الرؤية للخروج من الأزمة، بعيدًا عن العبارات التقليدية والحلول المستهلكة التي يجترحها من أمضى عمره في البيروقراطية الإدارية. ويمكن، بتضافر الجهود وتوافر النيّات الحسنة، إطلاق حملة وطنية إعلامية ومهنية مشتركة، لرفع سقف المطالب من «مطالب فئوية» إلى «شرط لإنقاذ لبنان»، وتأمين عودته إلى الخارطة العالمية. وهذا لا يمكن أن يتحقّق ما لم تتم حماية الموظف العام، والمحامي، ونظام التقاضي.
بين الإصلاح والتكرار المأساوي لتاريخ الإفلات من العقاب
إن تحقيق العدالة لا يمكن أن يقوم في فراغٍ عقلي، ولا على أكتاف أشخاص محطّمين ماديًا ومعنويًا. إن إنقاذ لبنان يبدأ أولًا بإنقاذ مرفق العدالة، والأولوية في هذا الصدد تكمن في إنقاذ القضاء من العناصر المسيئة لصورته. فالورشة الإصلاحية لا يمكن أن يقودها فاسد أو حاقد؛ إذ لا يدافع عن الفاسد إلا فاسد. ولا بدّ من إعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية واحترام الإنسان بوصفه أساس العدالة.
الاختيار اليوم بات محسومًا: فإمّا إجراء إصلاح هيكلي يبدأ بإنقاذ حماة العدالة، وإمّا تحمّل مسؤولية الانهيار الكامل للقطاع العام. إن صرخة المساعدين القضائيين اليوم هي التجلّي الأحدث لنتيجة سياسية قديمة، عنوانها قانون العفو العام لعام 1991. والنموذج ذاته يُراد تكراره اليوم من خلال اقتراح قانون «الفجوة المالية»، من أجل مكافأة سارقي القطاع الخاص وجنى أعمار الناس، تمامًا كما كوفئ سارقو الدولة من قبل.
هي معادلة واحدة: إفلاتٌ من العقاب للفاسدين، وإفلاتٌ من الحقوق للموظفين. يحدث ذلك وسط مسرحيات نيابية منسّقة بعناية، للإيحاء بوجود خصومات وهمية، فيما بات الجميع يعلم أن «الطباخ واحد»، وهو الشيف الأميركي، وأن الجميع يأكل من الأطباق السياسية التي يُعدّها لهم.
إن الصمت على طمس الحقوق العائدة للناس، كلّ الناس، لم يعد خيارًا، لأنّه ببساطة تواطؤ ندرك جميعًا نتائجه، وإن كنّا لا نعلم حقيقة من يقف خلفه.

د. جاد طعمه
محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.
