شهدت هيئة أوجيرو يوم أمس تحرّكاً احتجاجياً لعدد من موظفيها تحت شعار «حقوقنا خط أحمر»، حظي بدعم من رئيس الاتحاد العمالي العام، رغم أن الاتحاد لا يملك صلة تنظيمية مباشرة بالقطاع العام. وقدّم المحتجّون تحرّكهم بوصفه دفاعاً عن مكتسبات يعتبرونها ثابتة وغير قابلة للمساس. غير أنّ النقاش، وفق مقاربة قانونية وإدارية، لا يمكن أن يتوقّف عند عنوان «الحقوق» من دون التوقّف عند السؤال الجوهري الذي يسبقها: كيف جرى الدخول إلى الوظيفة العامة أساساً؟
تنصّ المادة 54 من قانون الموازنة العامة لعام 2004 بوضوح على خضوع الهيئات والصناديق والمصالح المستقلة والمؤسسات العامة—باستثناء مصرف لبنان—لأصول التعيين عبر مجلس الخدمة المدنية وبموجب مباريات. وأوجيرو، بوصفها هيئة تدير مرفقاً عاماً، ممولة من الموازنة العامة، وتعمل لحساب وزارة الاتصالات، لا تُعد شركة خاصة ولا مؤسسة تجارية مستقلة عن الدولة. وبما أنّ النص القانوني يشمل الهيئات، فأين المباريات منذ عام 2004؟ وأين دور مجلس الخدمة المدنية؟ وأين مبدأ تكافؤ الفرص بين اللبنانيين في الوصول إلى الوظيفة العامة؟
يُستند في الدفاع عن الواقع القائم إلى القانون 431/2002 الذي أجاز نقل موظفين من وزارة الاتصالات إلى أوجيرو خلال مرحلة انتقالية محدّدة. إلا أنّ هذا النص لم يفتح باب توظيف دائم خارج الأصول، ولم يمنح حصانة أبدية، ولم يُلغِ قواعد الدخول إلى الوظيفة العامة. ما تلا تلك المرحلة كان توسّعاً كبيراً في أعداد التوظيفات بالآلاف وبرواتب خيالية، من دون مباريات معلنة، ومن دون معايير شفافة، وبقرارات سياسية متعاقبة.
اليوم، يطالب من دخلوا خارج الأصول بضمانات كاملة، وكأن وضعهم محصّن قانونياً منذ البداية. غير أنّ مفهوم «الحق المكتسب» يفترض أصلاً قانونياً سليماً. وإذا كان أصل التوظيف محلّ إشكال، فلا يمكن تحويل الأمر الواقع إلى حق مطلق بقوة الاعتصام. فالاعتصام، وإن كان حقاً ديمقراطياً مشروعاً، لا يُستخدم لتكريس نتائج توظيف سياسي مخالف للقانون.
الأخطر في هذا السياق هو تصوير المسألة على أنها دفاع عن حقوق موظفي القطاع العام. فالقطاع العام لا يُحمى بتعطيل القانون حين لا يخدم مصلحة فئة بعينها، بل بتطبيقه على الجميع. وإذا كان هناك من يرى ضرورة تعديل النصوص—أكانت المادة 49 أو غيرها—فالمسار الدستوري يجب أن يُختصر بمشروع قانون يُناقش ويُقرّ في مجلس النواب اللبناني. أمّا رفض تنفيذ قانون نافذ إلى حين تعديله، فهو منطق انتقائي يُقوّض فكرة الدولة.
في الخلاصة، المشكلة لا تكمن في المطالبة بالعيش الكريم، بل في دخول الوظيفة بشكل غير مطابق للقانون؟ قبل رفع شعار «حقوقنا خط أحمر»، كان يفترض الإجابة عن السؤال الأبسط: هل جرى احترام الخط الأحمر الأول—خط القانون؟

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
