خلاصات من «طوفان الأقصى»: لبنان أمام اختبار السيادة في عالم لا يعترف سوى بمنطق القوة

 

اجتمع قادةٌ فاعلون من دول العالم في منطقة شرم الشيخ المصرية لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بعد عامين على عملية “طوفان الأقصى”. في هذا اللقاء برز مشهدٌ مأساويّ تمثّل في تغييب الحضور اللبناني الرسمي، رغم أنّ لبنان، ومنذ تشرين الثاني 2024، التزم بكلّ الشروط الدولية. ومع ذلك، ثبُت أنه مستبعَدٌ عن دوائر صنع القرار، فيما تُكافأ إسرائيل — المعتدية والمحتلّة — على انتهاكاتها، ويُعَدّ غيابها عن المؤتمر ضربةً سياسية للمجتمعين. هذه المفارقة تختصر جوهر النظام الدولي القائم على ازدواجية المعايير وسيادة منطق القوة.

تحوّلات استراتيجية مقابل إنجازات رمزية

حقّقت عملية “طوفان الأقصى” ما فشلت فيه عقودٌ من الدبلوماسية العربية، إذ أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام العالمي، وكشفت أمام الرأي العام حقيقةَ الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني بوصفه قضية تحرّر وطني ضد احتلال وحشي وغير إنساني. كما حطّمت العملية أسطورة “الجيش الذي لا يُقهَر”، وأثبتت أن التفوّق التقني لا يمكنه، مهما بلغ، أن يتفوّق على إرادة الشعوب في تقرير مصيرها.

الأهمّ أنّ العملية فضحت ازدواجية الأنظمة الغربية في خطابها حول حقوق الإنسان، وأربكت مسار التطبيع الذي تسارعت إليه دولٌ عربية عدّة اضطُرّت إلى مراجعة حساباتها. كما كشفت نفاق بعض الدول الإقليمية التي رفعت الشعارات لسنوات، ليتبيّن عند الامتحان أنها كانت تستثمر في القضايا الكبرى لمصالحها الخاصة على حساب قضايا الشعوب.

ورغم هذه الإنجازات التي لا يمكن إنكارها، فإنّها تحقّقت فوق أنقاض مأساة إنسانية كبرى: دمارٌ شبه كامل في قطاع غزة، وبلداتٌ مدمّرة في جنوب لبنان، وأكثر من 60 ألف شهيد فلسطيني، فضلاً عن تدمير البنية التحتية وغياب مستقبل جيلٍ كامل، واغتيال قادةٍ من الصفّ الأول في التنظيمات المقاومة داخل فلسطين ولبنان.

قمة شرم الشيخ: درسٌ قاسٍ في العلاقات الدولية

لم يكن مؤتمر شرم الشيخ لقاءً دبلوماسيًا عاديًا، بل محطةً كاشفة للتحوّلات الإقليمية. فالاستبعاد اللبناني لم يكن صدفة، رغم التزام لبنان الرسمي والمقاوم باتفاق وقف إطلاق النار؛ فلا عمليات عسكرية منذ تشرين الثاني 2024، وتقارير عدة تحدّثت عن تسليم حزب الله سلاحه في منطقة جنوب الليطاني وحتى شمالها، وانتشار الجيش اللبناني على الحدود.

ورغم ذلك، لم يستحقّ لبنان أن يكون مدعوًّا إلى المؤتمر، في حين كان الغياب الإسرائيلي ضربةً للمؤتمر والدولة المضيفة، ورسالة واضحة مفادها أنّ إسرائيل لا تحتاج إلى مؤتمرات سلام لتأكيد تفوّقها في المنطقة. أما الراعي الأميركي للمؤتمر، الذي يتولّى دور الوسيط في اتفاقية وقف إطلاق النار، فقد تجاهل تمامًا التزام لبنان وجهوده، مقابل إشادةٍ واسعة بالدورين المصري والقطري.

في معادلة الازدواجية… لبنان الخاسر الأكبر

دفع لبنان ثمنًا باهظًا جرّاء عملية “طوفان الأقصى”، إذ تفاقم الخراب الاقتصادي فوق الركام القائم أصلًا منذ أزمة الودائع وانتفاضة 2019 التي فشلت في زحزحة الطبقة الحاكمة. فقد دُمّرت 87 قرية جنوبية، ومُنع أهلها من العودة إليها، ونزح أكثر من مليوني لبناني من مناطقهم، وتضرّر القطاعان الزراعي والسياحي بخسائر تُقدَّر بأكثر من 20 مليار دولار.

ولم تقف الأضرار عند هذا الحدّ، إذ خلّفت الحرب انقسامًا سياسيًا حادًا بين من يرون في “حرب الإسناد” التي خاضها حزب الله تضحيةً واجبة، وبين من يعتبرونها “توريطًا للبلد في معارك لا شأن له بها”. كلّ ذلك في ظلّ غياب خطةٍ جدّية لإعادة إعمار الجنوب، واستنزافٍ متواصل لقدرات الجيش اللبناني، وأجواءٍ توحي بأنّ شبح الحرب الأهلية يلوح في الأفق بفعل التراخي الرسمي وسوء إدارة الأطراف المعنية.

إنّ لبنان يُعاقَب جماعيًا على خلفية ارتباط حزب الله بإيران، فيما أصبحت الخروقات الإسرائيلية اليومية “واقعًا مقبولًا”، بينما يُعدّ أيّ ردّ لبناني “خرقًا للاتفاق” — إن حصل، وهو لم يحصل حتى الساعة. لقد تحوّل لبنان إلى ورقة مساومة بين القوى الإقليمية، يُستخدم كصندوق بريدٍ ورسالة ضغط على إيران وحزب الله، دون أن يُعتبر شريكًا أو طرفًا أساسيًا في أيّ تسوية. ومع سقوط النظام السوري السابق وانكشاف لبنان شرقيًا، ساد شعورٌ إقليمي بالارتياح لأنّ النظام السوري الجديد استبعد خيار الانتقام من لبنان على خلفية دعمه العسكري للنظام السابق.

الخيارات المحدودة على مفترق الطرق الإقليمية

يقف لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: الأول يقوم على التمسّك بالسيادة الكاملة، وهو النهج الذي تتبعه الحكومة اللبنانية من خلال الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، والسعي إلى التطبيق الكامل للقرار 1701 عبر نشر الجيش اللبناني في كامل الجنوب، وفتح حوار وطني جاد حول ترتيبات الدفاع الوطني، تمهيدًا لإطلاق خطة إعمار دولية بضمانات عربية وأوروبية. غير أنّ هذا الخيار لا يزال يفتقر إلى الإجماع الوطني. فمقابله يبرز خيار آخر يقوم على التذاكي على المجتمع الدولي، والاستمرار في اللعب على الازدواجية بين المواقف الحكومية ومواقف القوى الفاعلة ميدانيًا، ما ينعكس مزيدًا من الانهيار الاقتصادي، مع ترقّب تصعيدٍ عسكري محتمل في أي وقت، واستمرار تهجير أهالي الجنوب والإضرار بمصالحهم وأرزاقهم، إضافة إلى فقدان هيبة الدولة اللبنانية — وهو خسارة سيادية لا يمكن تعويضها.

في هذا السياق، لا بدّ من دورٍ محوريّ يؤديه صاحب الحنكة السياسية في الساحة اللبنانية، رئيس مجلس النواب نبيه بري، القادر على تحويل البرلمان إلى خلية عملٍ وطني تهدف إلى بلورة موقفٍ موحّد حول الخيار الوطني المطلوب، أيًّا يكن هذا الخيار، ومهما استلزم الأمر من وقتٍ ونقاشات. لكنّ هذا لن يتحقق إلا بتوافر الإرادة للخروج من حال المراوحة والازدواجية التي استنزفت البلاد.

لبنان بحاجةٍ قصوى إلى استراتيجية وطنية جديدة

قدّم مشهد شرم الشيخ دروسًا قاسية للبنان، إذ أكّد أنّ الدبلوماسية لا تعترف بالوفاء بالوعود، بل تخضع حصريًا لميزان القوى، وأنّ القوة — لا الشرعية — هي ما يتحكم بمسار العلاقات الدولية. فلا يكفي الالتزام بالاتفاقات الدولية لضمان مقعدٍ على طاولة المفاوضات. ولبنان، الذي كان الأكثر وضوحًا بين الدول العربية وساند “طوفان الأقصى” ودفع ثمنًا باهظًا لذلك، بات اليوم بحاجةٍ ماسّة إلى استراتيجية جديدة تعيد التوازن في علاقاته مع القوى الدولية.

وبينما يخرج قادة العالم من قاعات مؤتمر شرم الشيخ بابتساماتٍ دبلوماسية، يبقى السؤال المصيري مطروحًا: هل أدرك اللبنانيون أنّ المكان على طاولة المفاوضات لا يُمنَح، بل يُنتزَع بقوة الموقف الداخلي الموحّد والاستراتيجية الواضحة؟ إنه درسٌ قاسٍ في الدبلوماسية، لا بدّ من تحويله إلى فرصةٍ لإعادة تعريف دور لبنان في المعادلة الإقليمية. ففي عالمٍ لا يعترف سوى بمنطق المصالح، يُصبح واجبًا على لبنان أن يتحوّل من ورقة مساومة بأيدي الآخرين إلى لاعبٍ أساسي يعرف كيف يصون مصالحه في سوقٍ جيوسياسي لا مكان فيه للعواطف، بل للقدرة على خلق توازنات تفرض الاعتراف بحقوقه ومصالحه.

نحو هيبة دولةٍ وسيادةٍ فعلية

ختامًا، لا يمكن تحقيق الاستقرار الإقليمي بمعزل عن حلٍّ عادلٍ وشاملٍ للقضية الفلسطينية، بلا شكّ ولا ريب. لكنّ لبنان لم يعد قادرًا على انتظار هذا الحلّ، كما لم يعد يحتمل الرهان على ألعاب الخفّة السياسية التي احترفها لسنوات. فقوة لبنان لا ينبغي أن تكون في ضعفه، بل في الحنكة السياسية لمسؤوليه. وعلى الدولة اللبنانية أن تبني هيبتها وسيادتها على أساس إرادة وطنية موحّدة وجامعة، تدرك أنّ الشعوب التي تدفع أثمان الحروب لن تقبل بعد اليوم وعود السلام الاقتصادي على أنقاض كرامتها.

من هنا، لا بدّ من فتح أبواب المجلس النيابي أو القصر الجمهوري لحوار وطني رصين وجدّي، لا ينتهي إلا بالتوصّل إلى حلولٍ جذرية بعد نقاشٍ مستفيضٍ بالحجج والأدلّة والبراهين. والأهمّ من ذلك كلّه هو المصارحة التامة التي تجعل الأقلية خاضعةً — طوعًا — لرأي الأكثرية الوطنية.

الخلاصة التي ينبغي الاعتراف بها جماعيًا هي أنّ السيادة الوطنية وهيبة الدولة ليستا شعاراتٍ نرفعها، ولا يمكن ربطهما بصخرةٍ أو تظاهرة، بل هما قرارات نتحمّل مسؤوليتها. على لبنان أن يتخذ قرارًا واضحًا بجعل الدولة قادرة على حماية مواطنيها، والتفاوض بجرأة حول مصالحها، ورفض الإهانات التي يوجّهها بعض المبعوثين الدوليين، والمساهمة الفاعلة في تحقيق الاستقرار الأمني الحقيقي للمواطنين. وهذا كله يتطلّب جرأةً في المراجعة النقدية للذات قبل انتقاد الآخرين، وشجاعةً في اتخاذ القرارات المصيرية.

فالشعوب التي تتعلّم من دروس التاريخ هي التي تصنع مستقبلًا مختلفًا، ولبنان اليوم أمام فرصةٍ تاريخية للانتقال من منطق التبعية إلى فضاء الاستقلال الحقيقي.

 

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.