بعد غياب خامنئي… لبنان أمام أخطر اختبار إقليمي منذ عقود

أحدث مقتل مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي تحولاً مفصلياً في مسار الصراع الإقليمي، واضعاً حلفاء طهران، وفي مقدمتهم حزب الله، أمام لحظة قرار قد تعيد رسم حدود المواجهة في الشرق الأوسط.

يدخل الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية بعد مقتل مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي، في تطور يُنظر إليه دولياً بوصفه نقطة تحول مفصلية في بنية النظام الإيراني وتوازنات الردع الإقليمي. فالحدث لا يقتصر على خسارة شخصية سياسية أو دينية مركزية، بل يفتح الباب أمام مرحلة إعادة تشكيل واسعة لمعادلات القوة والنفوذ في المنطقة.

وفي خضم هذا التحول، تتجه الأنظار إلى لبنان باعتباره الحلقة الأكثر حساسية في شبكة الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي والأميركي، حيث يواجه حزب الله أحد أصعب قراراته الاستراتيجية منذ نشأته: هل يكتفي بردّ محسوب يحفظ معادلة الردع، أم ينزلق إلى مواجهة واسعة قد تدفع المنطقة نحو حرب مفتوحة؟

ترى تقديرات صادرة عن مراكز أبحاث غربية، بينها مجلس العلاقات الخارجية والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أن غياب المرشد الأعلى يضع إيران أمام اختبار مزدوج: إدارة انتقال داخلي دقيق للسلطة، والحفاظ في الوقت نفسه على صورة الردع الإقليمي.

وفي مثل هذه اللحظات، يصبح سلوك الحلفاء الإقليميين جزءاً أساسياً من معادلة تثبيت التوازن، لا مجرد امتداد عسكري للسياسة الإيرانية. وهنا يبرز موقع حزب الله باعتباره الفاعل الأكثر تأثيراً خارج الحدود الإيرانية.

فمنذ تأسيسه، ارتبط حزب الله سياسياً وعقائدياً بقيادة «الولي الفقيه»، ما يجعل استهداف القيادة العليا في إيران حدثاً يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، ويضع الحزب أمام ضغوط معنوية وسياسية للرد بما يحفظ موقعه داخل محور طهران.

غير أنّ الحزب يتحرك اليوم ضمن واقع لبناني مختلف جذرياً عن المراحل السابقة. فإلى جانب الانهيار الاقتصادي العميق والأزمة المالية المستمرة منذ عام 2019، برز متغير داخلي جديد يتمثل في انطلاق العهد الرئاسي الجديد بقيادة الرئيس جوزيف عون، وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام، وكلاهما يرفع عنوان إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سيادتها وفرض حصرية السلاح بيد الشرعية اللبنانية.

هذا التوجه، المدعوم عربياً ودولياً، يعكس محاولة لإعادة تثبيت مفهوم الدولة بعد سنوات من الاهتزاز المؤسسي، ويضع أي قرار بالانخراط في مواجهة إقليمية تحت ضغط سياسي داخلي غير مسبوق، حيث تتقاطع مطالب استعادة هيبة الدولة مع المخاوف من جرّ لبنان إلى حرب تتجاوز قدراته.

وبذلك، لم تعد حسابات حزب الله محكومة فقط بالاعتبارات الإقليمية أو العقائدية، بل باتت مرتبطة أيضاً بتوازن داخلي جديد يسعى إلى تكريس أولوية الاستقرار ومنع استخدام الساحة اللبنانية كمنصة صراع مفتوح.

تشير قراءات دبلوماسية وأمنية متقاطعة إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في ردّ محسوب ومدروس يوازن بين الاعتبارات العقائدية ومتطلبات تجنب الانفجار الإقليمي.

وقد يأخذ هذا الرد أشكالاً متعددة، منها تصعيد محدود على الحدود الجنوبية أو عمليات نوعية ضمن قواعد اشتباك مضبوطة، بما يسمح بالحفاظ على صورة الردع دون تجاوز الخطوط التي قد تدفع إسرائيل إلى حرب شاملة.

ويستند هذا التقدير إلى تجربة المواجهة السابقة التي شهدت احتواء التصعيد رغم ارتفاع مستوى التوتر العسكري.

في المقابل، لا تستبعد تقديرات صادرة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ومراكز أمنية إسرائيلية احتمال انتقال المواجهة إلى مرحلة أوسع إذا اعتُبر استهداف القيادة الإيرانية ضربة وجودية تستوجب رداً استثنائياً.

وفي هذا السيناريو، قد تتحول الجبهة اللبنانية إلى المسرح الرئيسي للصراع، مع تداعيات مباشرة تشمل استهداف البنية التحتية الحيوية، ⁠تعطيل المطار والمرافئ، تسارع الانهيار الاقتصادي، ونزوح داخلي واسع النطاق.

وفي ظل هشاشة الدولة اللبنانية، فإن كلفة مواجهة كهذه قد تتجاوز قدرة المجتمع على الاحتمال.

تنقسم التحليلات الدولية حول الاتجاه الذي قد تسلكه طهران في المرحلة المقبلة. فبعض الدراسات الأميركية ترجّح دخول إيران مرحلة حذر مؤقت لتأمين انتقال السلطة، فيما ترى تقديرات أميركية أخرى أن النظام قد يلجأ إلى ردّ قوي لمنع اهتزاز صورته داخلياً وخارجياً.

وفي كلا الاحتمالين، يبقى مستوى انخراط حزب الله عاملاً حاسماً في تحديد مسار التصعيد الإقليمي.

حتى في حال تجنب الحرب المباشرة، تشير تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن أي اضطراب طويل في أسواق الطاقة أو الملاحة سينعكس فوراً على الاقتصاد اللبناني.

فارتفاع أسعار النفط وكلفة الشحن والتأمين كفيل بزيادة الضغوط على بلد يعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد والتحويلات الخارجية، ما يجعل تأثير الحرب اقتصادياً قبل أن يكون عسكرياً.

هذا وتشير التطورات الراهنة إلى أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة صياغة للنظام الإقليمي، حيث تتبدل قواعد الردع والتحالفات وأدوار الفاعلين غير الدولتيين.

وفي قلب هذه التحولات، يقف لبنان أمام امتحان وجودي حقيقي، إذ لم يعد قرار الحرب أو السلم شأناً داخلياً صرفاً، بل نتيجة مباشرة لصراعات تتجاوز حدوده وإمكاناته.

فإذا اختار حزب الله البقاء ضمن سقف الرد المحسوب، قد يتمكن لبنان من عبور المرحلة بأقل الخسائر الممكنة. أما إذا انزلقت الأمور نحو مواجهة مفتوحة، فإن البلاد قد تجد نفسها أمام أزمة أمنية واقتصادية طويلة يصعب احتواؤها.

وفي شرق أوسط يُعاد تشكيله تحت ضغط القوة، قد لا يكون السؤال الأهم هو حجم الرد المقبل، بل ما إذا كان لبنان قادراً على تفادي التحول مرة جديدة إلى ساحة الحرب البديلة.

ففي زمن التحولات الكبرى، لم يعد الإنجاز الحقيقي تحقيق الانتصار العسكري، بل النجاة من الانهيار والبقاء خارج الحرب.

مقالات الكاتب

د. محمد حلاوي

أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.