بين دخان الحرب في غزة، ورائحة البارود التي لم تزل تلتصق بالذاكرة الإنسانية، يقف المجتمع الدولي أمام واحدة من أعقد لحظاته التاريخية. تتقاطع خرائط الدم من الجنوب اللبناني إلى البحر الأسود، ومن صعدة إلى دارفور، ومن ضفاف الفرات إلى مضيق تايوان.
العالم يلهث خلف فكرة “الردع” بينما تتهاوى المفاهيم القديمة للأمن الجماعي. لم تعد واشنطن وحدها تمسك بميزان القوة، ولم تعد أوروبا تكتفي بالتصفيق خلفها. نحن أمام زمنٍ جديد يُعاد فيه رسم النظام الدولي من تحت رماد غزة، مرورًا بسلاح حزب الله، وأنفاق حماس، إلى حرب أوكرانيا وصراع المياه في بحر الصين الجنوبي.
فهل فشل الأمريكيون في إدارة هذه الملفات؟ وهل تنجح أوروبا قبل عام 2030 في بناء قوة ردع حقيقية تستغني بها عن المظلة الأميركية؟ تساؤلات تفتح باب تحليلٍ سياسي وجيوسياسي معقّد، حيث تتشابك فيه بنادق الميليشيات مع مصالح القوى الكبرى، وتذوب الحدود بين الحرب والسلام.
حزب الله: قوة شبه دولية ومأزق التفكيك
الأسلحة ليست مجرد قضبان حديدية أو رؤوس متفجرة؛ إنها شبكات مصالح وإيديولوجيات متداخلة.
عندما تنفجر غزة أو تتصاعد فوضى اليمن أو يلتهم العنف خريطة السودان، لا تنكسر الأجساد فقط، بل تنفجر منظومات الاعتقاد التي تُغذيها.
لذلك، فإن الحديث عن “تفكيك سلاح” حزب الله أو حماس ليس تقنيًا، بل مشروع إعادة بناء سياسي طويل، يتجاوز الصواريخ إلى بنية المجتمع نفسه. فحزب الله اليوم ليس مجرد ميليشيا، بل مؤسسة تمتد في لبنان من البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
تُشير تقديرات محلّية وغربية إلى أن قدراته الصاروخية وتطبيقاته التكتيكية تطورت بشدة، ما جعله لاعبًا إقليميًا ذا قدرة ردع حقيقية تجاه إسرائيل وفاعلًا في ساحاتٍ أخرى. لكن محاولات تفكيك سلاحه تصطدم بثلاثة حواجز:
- الشرعية المحلية – إذ يرى جزء كبير من اللبنانيين المقاومة خطًا وطنيًا لا يمكن المساس به.
- البنية العسكرية المتنقلة – المنتشرة في عمق المجتمع، ما يصعّب السيطرة أو الحصر.
- الدعم الإقليمي – الذي يمدّه بمصادر القوة والتمويل والغطاء السياسي.
أي حلّ فعّال لا بد أن يجمع بين ضمانات أمنية للبنان، وبرنامجٍ اقتصادي يعيد دمج مناطقه المتأثرة، وآلية دولية تحمي سيادته مقابل سحب تدريجي للسلاح.
تفكيك منظومة حماس: أنفاقٌ داخل شعب
حماس بنت قدراتها عبر سنوات الحصار، وتحولت شبكة الأنفاق إلى ورش تصنيع وقواعد لوجستية واقتصاد حربٍ خفي. لكنّ تفكيكها لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، لأن البنية الاجتماعية التي تغذيها لا تزال قائمة: البطالة، الفقر، غياب الأفق السياسي، وانعدام العدالة.
أي عملية نزع سلاحٍ ناجحة يجب أن ترافقها خطة تعافٍ اقتصادي وعدالة انتقالية، وأن تتكامل مع إطارٍ إقليمي يمنع إعادة التسلح في الظل، مع حماية المدنيين ومنع تحويل المعاناة إلى وقودٍ للمقاومة من جديد.
تعدد ساحات النزاع: اليمن، السودان، سوريا، أوكرانيا
في اليمن، تحوّل الحوثيون إلى قوة تملك أدوات تهديد إقليمي تصل إلى الممرات الدولية في البحر الأحمر.
في السودان، الصراع بين الجيش والقوات شبه النظامية حوّل الدولة إلى مأساة إنسانية مفتوحة.
وفي سوريا، لا يزال المشهد متجمّدًا بين القوى الدولية والإقليمية.
أما أوكرانيا، فكانت الدرس الأوضح للغرب: الردع يحتاج منظومة متكاملة من الدعم الاستخباري واللوجستي والسياسي، وليس مجرد سلاحٍ متطور. كما علّمتهم الحرب أن الاعتماد الكامل على واشنطن ليس سياسةً دائمة، بل قيدٌ يجب كسره في المستقبل.
هل فشل الأميركيون في إدارة الملفات؟
الفشل الأميركي ليس عسكريًا فقط، بل سياسي واستراتيجي. تبدّل الأولويات الداخلية، والانقسام الحزبي، والرهبة من التورط الميداني جعلت واشنطن تتراجع عن أدوارها التقليدية في إدارة الصراعات.
في سوريا واليمن وفلسطين، اكتفت بالتصريحات، وتركت فراغًا استثمرته قوى إقليمية — من إيران إلى تركيا إلى روسيا — فصارت الميليشيات تتحدث باسم “الشعوب”، بينما تضعف الدولة وتُبتلع السيادة.
أوروبا 2030: حلم الردع المستقل
مشاريع «إعادة تسليح أوروبا» وخطط الدرع الجوي والطائرات المشتركة، تبدو على الورق طموحة، لكنها تواجه تحديات ضخمة:
- نقص الموارد البشرية والعسكرية.
- تفاوت أولويات دول الاتحاد.
- غياب استراتيجية موحدة تربط الأمن بالدبلوماسية.
تقديرات متخصصة تشير إلى أن أوروبا تحتاج إلى مئات مليارات اليورو ومئات آلاف الجنود لتصبح قادرة على ردعٍ فعلي دون مظلة واشنطن. لكن، رغم الصعوبات، فإن إرادة برلين ووارسو وباريس لبناء قوة ردع موحدة تُنذر بولادة نظام أمني جديد في القارة، عنوانه “الأمن الأوروبي لأوروبا”.
الصين والبحار الاقتصادية: شظايا الصراع الكبير
في بحر الصين الجنوبي تتواجه الأساطيل كما تتواجه الرؤى. النزاع هناك ليس على جزرٍ فقط، بل على قواعد الملاحة العالمية والسيادة على موارد الطاقة. أي تصعيد في هذه المنطقة سيعيد توزيع مصالح القوى الكبرى، ويكشف هشاشة النظام الدولي القائم.
من غزة إلى تايوان، يبدو العالم عالقًا بين موجتين: موجة تسعى إلى بناء توازنات جديدة، وأخرى تريد الحفاظ على إرث الهيمنة القديمة.
المجتمع الدولي: من إدارة الأزمة إلى صناعة السلام
حتى الآن، فشل المجتمع الدولي في الانتقال من إدارة الأزمات إلى إنتاج حلول مستدامة. لذلك، لا بد من رؤية جديدة تعتمد على خمس ركائز:
- دمج الأمن بالتنمية — فالسلاح لا يُفكك في بيئة جائعة.
- بناء قوات محلية شرعية تحل محل الميليشيات، تحت إشرافٍ دولي.
- خطة تسليح أوروبية متوازنة تضمن استقلال القارة دون استفزاز روسيا.
- تسويات إقليمية مرنة تشارك فيها القوى الكبرى والفاعلون المحليون.
- عدالة انتقالية وإنسانية تعيد الثقة المفقودة بين الشعوب ومؤسساتها.
من تفكيك السلاح إلى تفكيك الأسباب
التحدي بعد غزة ليس إحصاء عدد الأنفاق أو الصواريخ، بل تحويل الهزيمة إلى فرصة سياسية لبناء دولةٍ حقيقية. فالسلاح لا يُفكك بالقوة وحدها، بل بتفكيك أسبابه.
الردع الحقيقي ليس في الحديد، بل في العدالة، والتنمية، والكرامة الوطنية. ربما تنجح أوروبا في بناء درعٍ من الصلب بحلول 2030، لكن العالم لن يعرف السلام إلا إذا بنى الإنسان درعه الداخلي ضد اليأس والكراهية.

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
