للأسف، بات الشعب اللبناني يعيش في بيئةٍ يختلط فيها البغاء السياسي، وتتحكّم بالحياة العامة مجموعاتٌ من السفهاء تفسد رأي جزءٍ كبيرٍ من الرأي العام. ويصعب على هذا الرأي العام، الخاضع لهيمنة نحو ثلاثين بالمئة من المضلّلين والمستفيدين، أن يتعامل بشكلٍ سليمٍ وديمقراطيّ مع هذا الصنف من الناس.
فالجمهورُ المضلَّل، رغماً عن الصوت العام المتنوِّر، يصفّق لجماعاتٍ تغتصب السلطة وتحتكرها خلافاً للأصول والقوانين.
لم يتغيّر شيء في أداء الطبقة السياسية الفاسدة والمدّعية العفّة؛ بل إنّ الأمور تسير من سيّئ إلى أسوأ. وفي كل مرة، يدّعي هؤلاء الحرص على سلامة الدولة ومؤسساتها ورقيّ الشعب، وهي ادعاءات باطلة تتلازم مع سرقة المال العام واستغلال النفوذ ومصادرة أملاك الناس والدولة. أما «الدويلة» فتنشط على حساب الدولة المركزية، بل تحكمها عملياً، فيغيب النظام السياسي عن أبسط واجباته.
لقد احتلت المصالح الخاصة مؤسسات الدولة، فباتت أسيرة التناقضات، وساحاتها مرتعاً لتبادل الرسائل من هنا وهناك، فيما الشعب يدفع الثمن ويُضلَّل عن عمد. الأرض برمّتها أضحت محتلة؛ لا سيادة، ولا قرار حرّ، إذ القرار للدويلة بلا نقاش. الهوية الوطنية ضاعت في سوق النخاسة السياسية، والمراكز الشرعية – رئاسة الجمهورية، رئاسة الحكومة، مجلس النواب، والإدارات المدنية والعسكرية – أصبحت رهينة النفاق المدوزن على رقاب المواطنين الصالحين.
رأيٌ عامٌّ مضلَّل يصفّق للتافهين والعملاء ومحتكري السلطة، هؤلاء الذين يتقاسمون تعب الناس على عينك يا تاجر. شعبٌ منكوبٌ في قسوة مرارته، مسيطرٌ عليه بالوهم، في مقابل طبقةٍ سياسيةٍ عقيمة، فاسدة، غنيةٍ بالكذب والرياء والوعود المعسولة والعمالة، لا هدف لها سوى اقتسام السلطة فيما الشعب فقيرٌ، مهجّرٌ، عاطلٌ عن العمل، يشحذ لقمة العيش.
زعاماتٌ علمانية وروحية تتبنى منظوماتٍ سياسية فاسدة ولا أخلاقية، همّها الأول الاستمرارية في نهجٍ تسلّطيٍّ حقير، تتسيّد به على الشعب سياسياً أو دينياً. هذه الزعامات، الروحية منها والعلمانية، تسعى لإبقاء اللبنانيين مطواعين، مسلوبي الإرادة، لتتحكم بمصائرهم وتُحكِم قبضتها على المفاصل كافة، حفاظاً على مصالحها وأموالها المنهوبة.
في هذه المقالة، نؤكد ما تظهره كل استطلاعات الرأي من تراجعٍ يوميٍّ في الثقة بالسلطتين السياسية والروحية.
سلطةٌ روحية فاسدة أنهكت شعبها دينياً ودنيوياً، وسلطةٌ سياسية عاجزة عن بسط سيادتها على أراضيها ومراكز قرارها، غير قادرة على معالجة الأزمات المتراكمة، ما وسّع الفجوة بينها وبين الشعب.
ورغم هذا الفشل الذريع، تُصرّ المنظومة الروحية والسياسية على تجاهل المراجعة، وتتمادى في النهج الإقطاعي الإقصائي، بل تبلغ الوقاحة أن تُسوِّق لنفسها كمشاركةٍ في الاستحقاقات الانتخابية، وتطوف المناطق ساعيةً إلى ترشيحاتٍ ولوائح.
حقاً: الذين استحوا… ماتوا.
نرفض أن يبقى الجهّال يصفّقون للساسة التافهين. ومن منطلق العدالة في المشاركة السياسية والفكرية، فإننا، ومعنا الشرفاء، نطالب بالوقوف سدّاً منيعاً لإسقاط السلطتين الروحية والسياسية، وترسيخ ثقافةٍ نضاليةٍ وطنيةٍ علمانيةٍ تُعيد الأمور إلى نصابها السليم، وتصون المناعة الوطنية ووحدة الشعب اللبناني وقدرته على مواجهة الإقطاع والإقصاء والتفرّد.
لن نقبل، ولن نسمح، أن يُصفّق الجهّال للكاذبين والدجّالين.

بول الحامض
ناشط سياسي، رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني، خبير في المجالات الاقتصادية والقانونية، مع خبرة في الاستثمارات، إدارة الشركات، والتبادلات المالية، ويعمل كمستشار في القضايا الجمركية.
