لم يعد من الممكن قراءة الأحداث الدولية المتسارعة بوصفها أزمات منفصلة أو ردود فعل ظرفية. ما يجري في فنزويلا، وما يحدث في غزة، وصولًا إلى أوكرانيا، من دون إهمال الصومال والسودان واليمن، وما يتكشّف تباعًا في أكثر من بقعة في العالم، يشير إلى عودة منطق قديم بوسائل جديدة: السيطرة على الموارد، لا عبر الاحتلال الكلاسيكي، بل من خلال تفكيك السيادة من الداخل، وتطويع القانون الدولي لخدمة الأقوى.
حين يُسأل رئيس دولة عظمى، داخل البيت الأبيض، عن كيفية بيع نفط فنزويلا، يأتي الجواب ليعكس تصوّرًا مفاده أن الموارد الوطنية باتت شأنًا دوليًا قابلًا لإعادة الإدارة والتوجيه. ولعلّ هذا الجواب يحمل الرسالة نفسها التي أطلقها جورج بوش الابن، بنسختها المُطوَّرة والمُحدَّثة على طريقة دونالد ترامب: «إمّا أن تكون معنا، وإمّا أن تكون ضدنا».
موارد الطاقة كأداة اقتصادية للهيمنة
يشكّل النفط والغاز اليوم العمود الفقري للصراعات المعاصرة. فالدول الكبرى لا تبحث فقط عن مصادر طاقة لتغذية اقتصاداتها، بل عن أدوات ضغط طويلة الأمد تتيح لها إعادة رسم موازين القوة.
في فنزويلا، تُطرَح مسألة النفط تحت عنوان «مواجهة شبكات الجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات». أمّا في غزة ولبنان، فتُرفَع راية «مكافحة المنظمات الإرهابية»، وفي إيران «خرق بنود الاتفاق النووي السلمي». لكن في كل الحالات، يبقى السؤال القانوني الجوهري: من يمتلك حق تقرير مصير الموارد؟ ومن يضع المعايير العالمية في هذه الحقبة التاريخية؟
القانون الدولي، الذي جرى وضعه على الرف، يُكرّس مبدأ السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية، لكنه في التطبيق يبدو معطّلًا حين تتعارض مواده مع مصالح الدول النافذة. وهنا تبدأ المفارقة، إذ يُستخدم الخطاب القانوني لتبرير تجاوزه.
«طوفان الأقصى» وتكسب الأحداث مبرراته
ليست غزة مجرّد بقعة محاصَرة أو ساحة مواجهة عسكرية. فهي تطلّ على شاطئ يختزن ثروات محتملة، بل مؤكّدة، من النفط والغاز، تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات، وتقع ضمن فضاء جغرافي تتقاطع فيه مشاريع كبرى، من بينها الحديث عن ممرات بحرية بديلة لطريق الحرير القديم، ما يعيد رسم خريطة التجارة والطاقة في المنطقة.
في هذا السياق، لا يمكن فصل الحرب عن السعي الدولي للتحكّم بالمجال البحري، ومحاولة إعادة هندسة الحدود الواقعية، من دون إغفال الضغط الديموغرافي والسياسي الذي يطال غزة والضفة الغربية معًا.
الخطير، حين نتكلّم عن فلسطين، ليس فقط ما يجري، بل المنطق الذي يُسوَّق له، وخلاصته أن القوة العسكرية المتّكئة على وسائل التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي تمنح شرعية إعادة الترتيب، وأن «الوقائع الجديدة» تصبح أساسًا قانونيًا لاحقًا.
الاستعمار الحديث من دون احتلال ولا جيوش
نحن أمام نموذج معاصر لما يُسمّى بالاستعمار الجديد، حيث لا حاجة لاحتلال مُعلَن، ولا ضرورة لانتداب إدارة مدنية مباشرة. كل ما في الأمر تدخلات انتقائية تحصل فجأة، تحت عناوين يتم اختيارها بعناية، مع عقوبات على المخالفين، وضغوط مالية، وتدويل للأزمات.
اللافت أن الثغرات التي تُستخدم ذريعة للتدخل الأجنبي في الدول، هي ذاتها التي ساهم الخارج نفسه في فتحها. فالأنظمة ضعيفة وظالمة، والاقتصادات أنهكها فساد الطبقات الحاكمة، والشعوب ملت النزاعات طويلة الأمد، ثم يأتي التدخل تحت عنوان جذّاب هو «المعالجة» الموضعية.
قواعد القانون الدولي وازدواجية المعايير
ثمة تساؤل مشروع: هل لا يزال القانون الدولي إطارًا ناظمًا، أم بات لغة تُستخدم حين تخدم المصالح وتُهمَل حين تعيقها؟ يمكن العودة في هذا السياق إلى حرب أفغانستان والعراق وأحداث 11 أيلول، وصولًا إلى ما هو قائم في غزة وفنزويلا. فالقرارات الأممية تُعطَّل لحساب لجان دولية يتم إنشاؤها، لكنها تولد فارغة من مضمونها.
خلال الأيام الماضية، تُناقَش مسألة السيادة في فنزويلا وكأنها مسألة إدارية قابلة للتعديل من قِبل «الشرطي العالمي». وفي أماكن عديدة أخرى من العالم، تتكرّر المعادلة نفسها بأسماء مختلفة.
من يراهن على دور تلعبه دول كالصين أو روسيا أو كوريا الشمالية، أو حتى إيران، يتجاهل حقيقة لعبة المصالح الدولية، التي تعيدنا دومًا إلى شريعة البقاء للأقوى والأخبث، حيث تُقاس الشرعية بالقدرة لا بالقانون. فما هو حاصل لا يجد تبريرًا له لا في ميثاق الأمم المتحدة، ولا في مقرّرات جمعيتها العامة المتعلقة بموارد الدول، ومع ذلك يسود الصمت أمام العاصفة.
مسألة سيادة لبنان نموذجًا
في لبنان، وبعد اتفاق وقف إطلاق النار وبدء عمل لجنة «الميكانيزم»، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالبلد عانى انقسامًا طويلًا حول مفهوم السيادة، وحول موقعه في ظل الصراعات الإقليمية والمعادلات الجديدة.
الأطراف السياسية التي لطالما رفعت شعار «الذود عن السيادة» في مواجهة أداء المقاومة، واعتبرت نفسها رأس حربة في الدفاع عن الدولة وهيبتها، تواجه اليوم مفارقة صارخة. فهناك خروقات يومية للسيادة لا تلقى الموقف نفسه، فيما يتقلّص الدور السوري والإيراني في سياسات البلاد لمصلحة ضغوط خارجية تُمرَّر تحت مسمّيات دبلوماسية، وعبر موفدين غربيين بلغة نافرة ومستفزّة، مع وجود لجان وآليات دولية أثبتت الأيام فشلها على كل المستويات المرتبطة بمصلحة لبنان في الحياد والفعالية.
ورغم ذلك، يبقى الصمت مطبقًا. وهذا التناقض يطرح سؤالًا صعبًا لكنه يحتاج إلى إجابة: هل السيادة مبدأ ثابت أم موقف انتقائي يُستحضَر بحسب الجهة المعنية؟ الجميع يعرف الجواب، لكنه يتجنّب طرح السؤال، إمّا تفاديًا للحرج، أو خشية استفزاز «الشرطي العالمي» الذي يتوعّدنا منذ انتهاء الحرب بحرب جديدة.
الاتفاقات الإبراهيمية وسقوط التوازنات
لا يمكن إغفال أثر التحولات العربية الأخيرة، حيث اختارت دول إقليمية الانخراط في مسار تطبيعي واسع. ورغم أن «طوفان الأقصى» أدّى إلى تأخير الإعلان عنه، إلا أنه لم يُلغِه. ثمة اعتقاد بأن هذه الاتفاقات من شأنها توفير الاستقرار أو الحماية، غير أن النتائج حتى الآن تشير إلى تفكّك منظومات الردع الإقليمي، مع تسجيل غياب واضح للموقف العربي الجامع.
كل ذلك يحصل في ظل تراجع القدرة على استباق المخاطر. وفي هذا المشهد، تسقط دول أو تُنهك الواحدة تلو الأخرى، فيما يُعاد ترتيب المنطقة وفق أولويات الطاقة والأمن والممرات التجارية.
العالم بلا مرجعية واضحة
لسنا أمام أزمة واحدة، بل أمام سلة أزمات تدلّ على دخول العالم مرحلة انتقالية خطرة، يتآكل فيها مفهوم الشرعية، وتضعف فيها المؤسسات الدولية، مع تصاعد منطق «الأمر الواقع». وهذا لا يعني أن العالم دخل الفوضى الشاملة أو ما اصطلح على تسميته «الفوضى الخلّاقة»، أو مخاض عالم جديد، لكنه يقترب بالتأكيد من نموذج أكثر قسوة، حيث يصبح القانون الدولي مجرّد سقف نظري لا يمنح أي ضمانة فعلية للضحية.
ختامًا، ليس من السهل تقديم حلول في عالم تتسارع فيه التحوّلات وتُعاد فيه صياغة قواعد اللعبة. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن تقييم الوضع الراهن مقلق. فالموارد تتحوّل إلى ذرائع، والقانون، كما في حرب العراق، يُستخدم انتقائيًا، أمّا السيادة فتتبخّر عند أول تعارض مع مصالح الكبار.
وحدها الأيام ستكشف الوجه الجديد للعالم الذي يتشكّل أمامنا: هل هو عالم توازنات أكثر عدالة، أم عالم يعود فيه التاريخ إلى الوراء بأدوات حديثة يفرضها عام 2026؟ ما نستطيع القيام به اليوم هو توصيف الواقع من دون مجاملات. وفي ذلك خطورة. أمّا التنبؤ، فلا ضرورة له، فالأيام المقبلة وحدها ستحكم ما إذا كان هذا المسار مرحلة عابرة أم بداية زمن مختلف تمامًا.

د. جاد طعمه
محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.
