بعد تكريم غراسيا القزي: هل يمكن تحويل مكافحي الفساد إلى «مجرمين»؟

تحقيقات موازية تضرب مبدأ سبق الادعاء، مهدِّدةً أملاك الدولة في الجنوب

في تطورٍ مثيرٍ للقلق، بات استرداد ملايين الأمتار المربعة من أملاك الدولة في الجنوب اللبناني يواجه عراقيل غير مسبوقة، عقب قيام مكتب أمن الدولة في النبطية، بناءً على إشارة النائب العام الاستئنافي في النبطية القاضية نجاة أبو شقرا، بإجراء تحقيقات «موازية» رغم سبق الادعاء في الموضوع عبر النيابة العامة المالية. هذه الممارسة لا تهدد ملايين الدولارات التي تُعدّ حقاً للدولة اللبنانية فحسب، بل تحوّل المدافعين عن المال العام إلى أهداف للملاحقة الجزائية.

«أبل القمح» و«مزرعة الجرين»… أملاك عامة للدولة أم أملاك خاصة؟

يخصّ الملفان أراضيَ للدولة في قضاء مرجعيون، الذي كان محتلاً، حيث أظهرت تقارير أكثر من خمسة خبراء مُحلّفين – أبرزها تقرير الخبير المسّاح جهاد يوسف الحلو، وتقرير صادر عن لجنة خبراء – وجود تزوير منهجي في سجلات المساحة، نتج عنه تسجيل أملاك عائدة للدولة (أحراج، مشاعات، أراضٍ بور) بأسماء أفراد.

وكانت النيابة العامة المالية قد ادّعت في وقتٍ سابق على المرتكبين أمام قاضي التحقيق في النبطية، استناداً إلى خريطة حيفا العائدة للعام 1931، والتي يبدو أن المرتكبين استطاعوا إخفاءها من دائرة المساحة في مرجعيون، وهي تُثبت ملكية الدولة. علماً أن تقارير الخبراء كشفت عن حجمٍ هائل من التزوير في مزرعة الجرين. وقد جرى إحالة مسّاح الدولة من قبل وزارة المالية إلى التفتيش المركزي في نهاية العام المنصرم.

جهاز أمن الدولة يفتح تحقيقاً موازياً

رغم وضوح الأدلة التي دفعت النيابة العامة المالية إلى الادعاء بعد تحقيقات استمرت خمس سنوات، فوجئ المتابعون بقيام مكتب أمن الدولة في النبطية بفتح تحقيقات في الوثائق والوقائع نفسها، بإشارة من النائب العام الاستئنافي في النبطية القاضية نجاة أبو شقرا. وتقول مصادر قضائية متابعة إنه لا يجوز لأي جهاز أمني التحقيق في قضية سبق للنيابة العامة المالية أن ادّعت فيها قضائياً. وهنا يُطرح تساؤل حول الهدف من فتح تحقيقات من شأنها إرباك المسار القضائي الذي يصب في مصلحة استعادة الدولة لأملاكها العامة. كما يُطرح تساؤل آخر حول هوية المستفيدين من تأخير تمكين الدولة من استرداد أملاك تُقدَّر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات، في زمن الأزمة الاقتصادية الخانقة.

من مكافح للفساد إلى «مُتَّهَم»

الأكثر إثارة للقلق هو استجواب جميع الموظفين الذين ساهموا في كشف الحقائق وساعدوا في دفع الملف باتجاه استرداد الدولة لأملاكها. ومنذ يومين، صدرت إشارات عدة عن النيابة العامة الاستئنافية في النبطية أحدثت بلبلة في الأوساط القضائية، كما تسرّبت معلومات عن محاولة النيابة العامة الاستئنافية في النبطية إحالة أحد كاشفي الفساد – وهو محامٍ كان وكيلاً عن إحدى البلديات الجنوبية – من مدافع عن المال العام إلى هدف للملاحقة القضائية.

مصادر قانونية تؤكد أن «هذا النمط من الممارسات يرسل رسالة خطيرة: فمن يدافع عن حقوق الدولة قد يصبح متهماً، ومن ينهبها قد يُحمى بتحقيقات واقية، أو قد يتم تعيينه في مراكز إدارية عليا، كما حصل مع المديرة العامة للجمارك غراسيا القزي».

تحويل الملف العقاري إلى معادلات طائفية وسياسية

يلاحظ متابعون للملف أن القضية بدأت تأخذ أبعاداً تتجاوز الجانب القانوني، لا سيما أن الطوائف اللبنانية كانت قد نالت حصصاً من الفوائد المتأتية من أملاك الدولة العامة. فالمنتفعون والمتضررون من هذا الملف يدفعون باتجاه تطييفه، عبر محاولات لتصوير القضية كجزء من «معركة ضد فئة معينة» (والمقصود الثنائي الشيعي)، بدلاً من كونها دفاعاً عن أملاك جميع اللبنانيين.

وتشير مصادر قضائية إلى أن التشكيلات القضائية الأخيرة خلقت تحالفات جديدة، يحاول كل جناح فيها إثبات حضوره من خلال تولّي ملفات كبيرة، مع رهان كل منها على جهات أمنية يبدو أن ثمة توجهاً لتوسيع صلاحياتها لتشمل ملفات اقتصادية وقضائية، ما يثير تساؤلات حول التوازن بين السلطات، وحول موقف النيابة العامة التمييزية مما يجري.

من يحمي الدولة من أجهزتها إن أساءت؟

المفارقة الأكبر تكمن في أن أجهزة الدولة نفسها تبدو منقسمة: فثمة جانب يحاول استرداد الأملاك المنهوبة (النيابة العامة المالية، بعض القضاة، الخبراء)، في مقابل جانب آخر يفتح أبواب العرقلة عبر تحقيقات موازية.

هذا الواقع يطرح سؤالاً حول موقف العهد مما يحصل: كيف يمكن لفخامة رئيس الجمهورية تبرير تسميته للمديرة العامة للجمارك؟ وكيف يمكنه تطبيق خطاب القسم إذا جرى تحويل بعض أذرع الدولة اللبنانية إلى عائق أمام استرداد حقوقها؟

وكانت الأمانة العامة لمجلس الوزراء قد طالبت مجلس الدفاع الأعلى بالتصدي للموضوع، بعد الاطلاع على المعطيات الصادمة المتوافرة في هذا الملف.

والمضحك المبكي، بحسب مصادر قانونية، أن الدولة اللبنانية، ممثَّلةً بهيئة القضايا، رفضت تقرير لجنة خبراء جاء لمصلحتها، وكان من شأنه تمكينها من استرداد ملايين الأمتار المربعة المسلوبة، بحجة عدم دعوتها إلى إحدى جلسات الخبرة، مطالِبةً بإبطال التقرير.

اختبار حقيقي لاستقلالية القضاء

يشكّل الملفان العالقان اختباراً حقيقياً لاستقلالية القضاء: فهل يستطيع الصمود أمام محاولات التأثير عبر تحقيقات موازية تُشرف عليها الرئيسة السابقة لنادي قضاة لبنان؟ وهل تلتزم الأجهزة الأمنية اللبنانية بحدود اختصاصها، أم أنها عادت – أو لا تزال – تتدخل في المسارات القضائية؟ وماذا ستقول الدولة اللبنانية أمام المجتمع الدولي، ولا سيما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، إذا ثبتت عودة السلطة إلى فبركة الملفات القضائية بدلاً من حماية كاشفي الفساد؟

في وقتٍ يعاني فيه لبنان من أزمة مالية خانقة، يبدو أن معركة استرداد أملاك الدولة لم تعد معركة قانونية فحسب، بل معركة على هوية الدولة نفسها. فهل لبنان اليوم دولة قانون أم دولة محسوبيات وزبائنية؟ وهل نحن في مواسم التنازل عن الأملاك العامة البرية، بعد التنازلات المفجعة عن الثروات الوطنية البحرية؟ أسئلة كبرى، والأيام كفيلة بتظهير الإجابات، غير أن خيبات اللبنانيين تكبر يوماً بعد يوم، ككرة ثلج متدحرجة.

ملاحظة: إن جميع المعلومات الواردة في هذا المقال تستند إلى وثائق قضائية رسمية ومصادر مطّلعة، وقد جرى التحقق منها بشكل مستقل، وهي موضع متابعة من قبل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهيئة التفتيش المركزي.

مقالات الكاتب

إميل خلف

كاتب مختص في الشؤون القانونية والقضائية.