في مشهدٍ نقابي غير مسبوق، هزّت انتفاضةُ المستقلين أركانَ المعادلة التقليدية، لتعلن ولادة نمطٍ جديد من العمل النقابي قوامه البرامج لا التحالفات، والكفاءة لا الانتماءات.
لم تكن انتخابات نقابة المحامين في بيروت، يوم الأحد الفائت، مجرّد استحقاق عادي لاختيار نقيب وأعضاء مجلس، بل كانت محطة فارقة أعلنت ولادة قوة جديدة في المعادلة النقابية، هي «قوة المحامين المستقلين».
فبمشاركة قياسية بلغت نحو 5300 ناخب، متجاوزةً التوقعات التاريخية التي لم تتعدَّ 4000 صوت، أثبت المستقلون أنهم الطرف الفاعل والحاسم في صناعة القرار النقابي، ورسّخوا مبدأً جديداً: الانتخابات النقابية لم تعد حكراً على الأحزاب، والبرامج المهنية قادرة على منافسة الآلات الحزبية وحملات التمويل.
تحالف غير مسبوق: القوة الحزبية وإرادة المستقلين
لا يمكن إنكار حقيقة الدعم الذي حظي به النقيب عماد مارتينوس من حزب القوات اللبنانية، لكن اختزال المشهد في إطار «الخلية السرّية» يُعدّ إجحافاً بالحقيقة وتعتيماً على جوهر الإنجاز الانتخابي. فالنقيب الحالي استطاع، بفضل شبكة علاقاته الشخصية العابرة للطوائف، وبرنامجه الإصلاحي الواضح، وتأكيده على تقديره لأبناء الجنوب والبقاع، أن يجذب تحالفاً غير مسبوق جمع بين الدعم الحزبي وإرادة المستقلين.
لقد راهن المستقلون على صدق النقيب الحالي وذكائه، وعلى روحه القيادية التشاركية التي تمكّنت من اختراق حواجز طائفية وسياسية لم يجرؤ كثيرون على تجاوزها. وهذا تحديداً ما يجعل مسؤوليته مضاعفة: فهو مدين لهؤلاء المستقلين الذين منحوه ثقتهم رغم كل الضغوط والتحالفات المضادّة التي ستُمارَس عليه في الأيام القليلة المقبلة لتقليل حجم الأضرار والخسائر التي أصابت تحالف الأحزاب.
حقل ألغام: بين مسايرة الحزبيين ووفاء المستقلين
اليوم يقف النقيب عماد مارتينوس عند مفترق طرق حاسم. فحقل الألغام الذي ينتظره لا يكمُن في التحديات الإدارية داخل النقابة والوطن فحسب، بل في اختبار قدرته على الموازنة بين الضغوط الحزبية من جهة، ووعوده للمستقلين من جهة أخرى. أما الخطر الحقيقي، فيكمن في الانزلاق إلى مستنقع مسايرة الحزبيين على حساب الإصلاحات الموعودة.
وفي هذه البيئات الموبوءة، غالباً ما ينسحب أصحاب الكفاءة، لا خوفاً، بل احتراماً لذواتهم، تاركين الساحة للمتملّقين. وهنا تبرز المسؤولية الأكبر الملقاة على عاتق النقيب الحالي في اختيار «بطانته» بعناية فائقة؛ فالنقابة تحتاج إلى كفاءات حقيقية تضع المصلحة المهنية فوق كل اعتبار.
اختبار الثقة: من الوعود إلى الإنجازات
ولايتان اثنتان هما مهلة النقيب الحالي، وفيهما ينتظره عملٌ كثير لإثبات أن خيار المستقلين كان صائباً. وأولى التحديات عنوانُها رفض الجمعية العامة للبيان المالي للمرة الثانية على التوالي — رغم عدم وجود أي زيادة في الرسم السنوي — وهو ما أسقط حجة المجالس السابقة التي كانت تبرّر عدم إبراء الذمة برفض الجمعية العامة زيادة الرسم السنوي.
هذا الرفض التاريخي يؤكد أن الجمعية العامة ترفض الريبة المالية وتطالب بالشفافية والتدقيق الحقيقي، في رسالة واضحة للنقيب الجديد: لا مبررات بعد اليوم للتراجع عن الوعود الإصلاحية.
نادي الحقوقيين: منصة استقطبت إرادة التغيير
لا يمكن فهم ظاهرة تصويت المستقلين من دون الإشارة إلى الدور المحوري الذي لعبه «نادي الحقوقيين»، الذي استطاع تجميع الآلاف من المحامين المستقلين عبر منصاته، ونظّم ندوة حوارية مهنية خاطبت العقل ونجحت في بلورة رؤية إصلاحية واضحة. لقد أثبت هذا التجمع أن هناك مساحة للعمل النقابي خارج الأطر الحزبية التقليدية، وأن صوت المهنية قادر على أن يعلو فوق صوت الانتماءات الضيّقة.
استطاع النادي بلورة رؤية إصلاحية واضحة تجسّدت في مواقف مبدئية عدّة تتعلّق بمعركة تعزيز الشفافية المالية منذ نشأته في نيسان 2018، حيث طالب بالعلنية ونبذ السرية ووجوب التدقيق في جميع الحسابات النقابية ووضوح البيانات المالية، رافضاً سياسة التعمية في إدارة الأموال النقابية. ولم يقتصر الأمر على المطالبة بنشر جميع العقود التي توقّعها النقابة، بل لفت أيضاً إلى وجوب التدقيق في قضية البطاقة النقابية الإلكترونية التي كشف فيها النادي الغموض المحيط بالعقود والأسعار والعمولات، مطلقاً تساؤلات مشروعة حول إلزاميتها وارتباطها بمصرف معيّن أو بعدة مصارف.
وإضافة إلى ذلك، كان هناك تأكيد على ضرورة الدفاع عن استقلالية المهنة في مواجهة محاولات تدجين النقابة وتحويلها إلى ساحة للصراعات الحزبية، إذ حذّر النادي مبكراً من مخاطر «المجالس الموازية» ومن تدخّل الأحزاب في الشأن النقابي الداخلي. كما تناول ملف التأمين الصحي الذي كشف عن تنازلات مشبوهة تصبّ في مصلحة شركة الإدارة على حساب حقوق المحامين.
لقد نجح نادي الحقوقيين، من خلال ندواته الحوارية التي جمعت المرشحين في جو مهني محض، ومن خلال سلسلة الاجتماعات التي نشر محاضرها بانتظام قبيل الانتخابات النقابية، في خلق وعي نقابي جديد قائم على المحاسبة والمساءلة والشفافية. هذا الوعي هو الذي حوّل النادي من مجرد منصة للحوار إلى رافعة حقيقية للتغيير، أثبتت أن صوت المهنية قادر على أن يعلو فوق صوت الانتماءات الضيقة.
الخيار التاريخي: أن يكون نقيباً للجميع
التصويت العقابي ضد المجالس السابقة، وضد البيان المالي، وضد الإحالات التأديبية الكيدية وأذونات الملاحقة الجائرة، يؤكد أن المحامين لم يعودوا يقبلون بأسلوب الإدارة القائم على الريبة والتسلط. والعبرة اليوم تكمن في قدرة النقيب الجديد على ترجمة الوعود الانتخابية إلى خطة عمل حقيقية.
إنها لحظة تاريخية في مسيرة نقابة المحامين، لحظة قال فيها المستقلون كلمتهم، وبات على النقيب المنتخب أن يكون على مستوى المسؤولية. والخيار واضح: فإما أن يكون النقيب الذي يفي بوعوده للمستقلين، فينقل النقابة إلى آفاق جديدة من الشفافية والمهنية، وإما أن يقع في فخ التحالفات والمساومات التي قد تُضيّع فرصة تاريخية للإصلاح.
نقابة المحامين في بيروت تقف اليوم على المحك، ومستقبل المهنة في الميزان. والجميع يترقب: هل سيكون عماد مارتينوس نقيباً للجميع، أم ستنجح الأحزاب في جذبه إلى صفوفها ليصبح أسير التحالفات الضيقة؟ الإجابة ستكتبها الأيام الـ728 المقبلة، والوقت يمضي سريعاً.

إميل خلف
كاتب مختص في الشؤون القانونية والقضائية.
