حين يثير فيلم كرتوني رديء الغرائز الكامنة

لبنان بين وهم «الشعب الراقي» وواقع «الشعب الطائفي»

في الخطاب اللبناني اليومي، يتكرّر تعبير «الشعب الراقي» بوصفه شعارًا يعلو فوق الخراب، ويُستدعى كتعويذة لغوية لتغطية واقعٍ لا يمتّ إلى الرقيّ بصلة. غير أنّ هذا الادّعاء يصطدم، عند أول اختبار جدّي، بحقيقة مُرّة: مجتمعٌ مأزوم، تُمسكه أحزاب طائفية من عنقه ومن تحت إبطه، وتُعيد إنتاج انقساماته، وتُغذّي غرائزه، ثمّ تدّعي تمثيله.

لبنان، في صورته الراهنة، لا يبدو كدولة حديثة، بل بلد يثيره «فيلم كرتوني»، حبكته عبثية، شخصياته نمطية، ونهاياته دائمًا مؤجّلة. كلّ طائفة تعيش داخل فقاعتها السَّردية الخاصة، وكلّ حزب يكتب روايته الموازية للتاريخ، بحيث يصبح الواقع نفسه محلّ نزاع، لا تفسيره فقط.

الطائفية كصناعة سياسية لا كقدر اجتماعي

ليست الطائفية في لبنان مجرّد انعكاس لتنوّع ديني، بل هي أداة سلطة مُمنهجة تعود جذورها إلى مرحلة الانتداب الفرنسي وتكريس «النظام الطائفي التوافقي»، ثم تعزّزت بعد اتفاق الطائف الذي أعاد توزيع السلطة من دون أن يُنهي منطق المحاصصة.

الأحزاب الطائفية لا تحمي الطوائف، بل تُديرها وتستثمر فيها. إنها تحتاج إلى الخوف أكثر مما تحتاج إلى الإنجاز، وإلى الذاكرة الجريحة أكثر مما تحتاج إلى المستقبل.

تُقنع هذه الأحزاب جمهورها بأنّ وجوده مهدّد، وأنّ بقاءه مرهون بولائها، فتتحوّل السياسة من إدارة الشأن العام إلى حالة تعبئة دائمة. وهكذا، يُستبدل مفهوم المواطن بمفهوم «المنتمي»، وتُختزل الدولة في «حصص».

وليس أدلّ على ذلك من مشهد تشكيل الحكومات المتكرّر: مفاوضات طويلة لا تدور حول برامج أو سياسات عامة، بل حول «الحقائب السيادية» وتوازناتها الطائفية، كما حدث في أزمات تشكيل الحكومات بعد انتفاضة 2019.

الشعب بين التواطؤ والعجز

ليس من الدقّة إلقاء اللوم كلّه على الأحزاب. فجزء من الأزمة يكمن في قابلية المجتمع لإعادة إنتاج هذه المنظومة. المواطن الذي يلعن الفساد في العلن، قد يعود ليصوّت له في السرّ، مدفوعًا بالخوف أو بالمصلحة أو بالانتماء.

هذا التناقض ظهر بوضوح بعد ثورة 17 تشرين، حيث خرج اللبنانيون إلى الشوارع بشعارات عابرة للطوائف، ثمّ سرعان ما عادت الانقسامات التقليدية لتفرض نفسها في الاستحقاقات اللاحقة.

هنا يتكشّف السؤال الجوهري: كيف يمكن لشعبٍ أن يصف نفسه بالراقي، وهو عاجز عن كسر أبسط أنماط الولاء ما قبل الدولة؟

الرقيّ ليس خطابًا، بل ممارسة: في احترام القانون، في محاسبة الزعيم، في تقديم الكفاءة على الهوية. وهذه كلّها غائبة أو مُهمّشة.

بعض الإعلام… الوقود السام

يزيد الإعلام الطائفي المشهد سوءًا. فهو لا ينقل الواقع، بل يُعيد تشكيله بما يخدم الاصطفاف. برامج ساخرة تتحوّل إلى أدوات تحريض، ونشرات أخبار تُبنى على الانتقاء، لا على الوقائع.

في بلد شهد حربًا أهلية دامية مثل الحرب الأهلية اللبنانية، كان يُفترض أن يكون الإعلام مساحة تهدئة، لا إعادة إنتاج للانقسام. لكن ما يحدث هو العكس: إعادة تدوير الذاكرة الجريحة، وتحويلها إلى مادة يومية للاستهلاك.

الدولة كرسوم متحرّكة يرسم إطار الصراع

الدولة اللبنانية، في ظلّ هذا الواقع، تبدو ككيان هشّ، أقرب إلى رسمٍ متحرّك منه إلى مؤسسة. القوانين تُطبّق انتقائيًا، المؤسسات تُدار بالمحاصصة، والقرارات الكبرى تُتخذ خارج الأطر الدستورية.

يتجلّى ذلك بوضوح في إدارة الأزمات الكبرى، من الانهيار المالي منذ 2019 إلى تداعيات انفجار مرفأ بيروت، حيث غابت المحاسبة الفعلية، وحلّ محلّها تبادل الاتهامات بين القوى السياسية.

في «الفيلم الكرتوني» اللبناني، لا يعود الأمر مجرّد توصيف ساخر، بل يصبح نموذجًا تفسيرياً لآلية اشتغال السلطة: الأبطال هم الزعماء لا المواطنون

في هذا «الفيلم»، لا وجود للبطل الفرد-المواطن، بل للبطل-الزعيم الذي يُقدَّم بوصفه الحامي والمخلّص. تُبنى حوله هالة شبه أسطورية، تُغذّيها الذاكرة الجماعية والخطاب الإعلامي، كما شهدنا تاريخيًا مع شخصيات خلال الحرب الأهلية اللبنانية، حيث تحوّل قادة الميليشيات إلى رموز طائفية استمر تأثيرها حتى بعد الحرب. المواطن هنا لا يشارك في صناعة القرار، بل يصفّق أو يعترض ضمن حدود مرسومة سلفًا.

الحبكة تُكتب في الخارج وتُنفّذ في الداخل

كثير من التحوّلات الكبرى في لبنان لم تكن نتاج توازنات داخلية صرفة، بل ارتبطت بتقاطعات إقليمية ودولية: من الوصاية السورية بعد الحرب، إلى صراعات المحاور بين إيران والغرب، وصولًا إلى تأثيرات المواجهة مع إسرائيل. في هذا السياق، تبدو القوى المحلية وكأنها «شخصيات» تنفّذ أدوارًا ضمن سيناريو أوسع، حيث القرار السيادي غالبًا ما يُعاد إنتاجه خارج الحدود قبل أن يُترجم داخليًا. والنهاية دائمًا مفتوحة على أزمة جديدة.

إذ لا وجود لخاتمة في هذا الفيلم؛ كلّ أزمة تُفضي إلى أخرى. من أزمة سياسية إلى فراغ دستوري، ومن انهيار اقتصادي إلى توتّر أمني. بعد انفجار مرفأ بيروت، على سبيل المثال، لم تتجه البلاد نحو إعادة بناء حقيقية، بل دخلت في سلسلة أزمات متلاحقة، وكأنّ الحدث نفسه تحوّل إلى «حلقة» ضمن مسلسل لا ينتهي.

القوانين تُرسم كديكور لا كمرجعية

كما في الرسوم المتحرّكة الرائجة هذه الأيام، حيث تتغيّر القواعد وفق الحاجة الدرامية، تُطبَّق القوانين في لبنان بانتقائية. الدستور موجود، لكنّ تفسيره يخضع لموازين القوى، لا لنصوصه. تصبح المؤسّسات أشبه بخلفية مرسومة، بينما الفعل الحقيقي يجري خارجها.

الذاكرة تُعاد كتابتها في كلّ موسم

لكلّ فريق روايته الخاصة للتاريخ والحدث، تُستدعى وتُعدّل بحسب الظرف السياسي. ما حدث بالأمس يمكن أن يُعاد تفسيره اليوم بصورة معاكسة تمامًا. وهكذا، لا تتكوّن ذاكرة وطنية مشتركة، بل «أرشيفات متنازعة» تعيش جنبًا إلى جنب.

في هذه الحالة الجمهور مشارك، بل هو مُشاهد. فأخطر ما في هذا الفيلم أنّ الجمهور – أي الشعب – يشارك فيه دون أن يملك السيطرة عليه. يتفاعل، ينفعل، يصطفّ، لكنّه لا يكتب السيناريو. وهنا يتحوّل المواطن من فاعل سياسي إلى «متلقٍ دائم»، يستهلك الأحداث بدل أن يصنعها.

حين يتحوّل «الفيلم الكرتوني» إلى سياسة يومية

لم يعد توصيف لبنان كـ«فيلم كرتوني» مجرّد استعارة أدبية، بل صار واقعًا يُبثّ على الشاشات. في مشهد حديث، عُرض عمل كرتوني ساخر استهدف أمين عام حزب الله، فقوبل بردود مقابلة عبر رسوم كاريكاتورية طالت رموزًا دينية وسياسية أخرى، من بينها البطريرك الماروني ومفتي الجمهورية اللبنانية ورئيس الجمهورية اللبنانية.

هنا لا تعود السخرية أداة نقد، بل تتحوّل إلى لغة إهانة جماعية، تُختزل فيها الطوائف إلى رموز، والرموز إلى أهداف. وهذا النمط ليس جديدًا؛ فقد عرف لبنان في مراحل سابقة، خصوصًا خلال الحرب الأهلية، أشكالًا مشابهة من التعبئة الإعلامية التحريضية، وإن اختلفت الوسائل.

الهوية الوطنية بين المحاور الإقليمية

في هذا السياق، يتداخل الداخل بالخارج بشكل فجّ. فالأحزاب نفسها تُعيد رسم هوياتها انطلاقًا من محاور إقليمية: بعضُها يربط مصيره بإيران، وبعضها يُعرّف نفسه من خلال العداء أو القبول بإسرائيل، بينما الهوية الوطنية اللبنانية تتآكل بين هذه الاصطفافات.

هذا التداخل ليس طارئًا، بل يمتدّ إلى ما قبل الاستقلال، ويتكرّر في محطات مفصلية مثل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، والتحالفات الإقليمية المتبدّلة خلال الحرب الأهلية وبعدها.
لا يعود السؤال: ما هو لبنان؟ بل: إلى أي محور ننتمي؟

وهنا تكمن الخطورة: حين تصبح الهوية الوطنية مجرّد تفصيل ثانوي في سرديات كبرى، وحين يُختزل الانتماء إلى موقف من قوى خارجية، تتحوّل الدولة إلى ساحة، لا كيانًا. ويغدو المواطن مجرّد متفرّج في «فيلم كرتوني» لا يملك تغيير حبكته.

بين الوهم والحقيقة

لبنان ليس بلد «الشعب الراقي»، ولا هو محكوم بأن يبقى بلد «الشعب الطائفي». إنه، ببساطة، بلدٌ عالق بين صورتين: صورةٍ يتخيّلها عن نفسه، وواقعٍ يرفض مواجهته.

التاريخ اللبناني، من الحرب الأهلية إلى انتفاضات الشارع، يُظهر أنّ التغيير ممكن، لكنّه هشّ وقابل للارتداد. وما لم يُحسم التناقض بين الخطاب والممارسة، ستبقى الطائفية أقوى من الدولة، وسيبقى اللبنانيون يعيشون متأثرين بأفلام كرتونية مصاغة بعناية… يضحكون على مشاهده أحيانًا، لكنّهم يدفعون ثمنه دائمًا.

مقالات الكاتب

د. زياد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.