بدأ مشروع إنشاء مدرسة شبعا الرسمية في أوائل التسعينات بتمويل عام من مجلس الجنوب، خُصّص لبناء مؤسسة تربوية يُفترض أن تشكّل حقاً أساسياً لأهالي البلدة وأبنائهم. غير أنّ المشروع توقّف عند حدود بناء الجدران فقط، من دون أن يُستكمل المبنى أو يوضع في الخدمة، ليتحوّل لاحقاً إلى مأوى للماشية ثم إلى مقر لإقامة عناصر من الجيش اللبناني، ما يعني أكثر من ثلاثين عاماً من الإهمال وطمس الحقيقة.
حتى اليوم، لا يزال مصير التمويل المتبقي مجهولاً، وهو مبلغ قُدّر حينها بنحو 11 مليار ليرة لبنانية، من دون أي توضيح رسمي حول كيفية إنفاقه، أو الجهة التي تولّت التنفيذ، أو الأسباب الفعلية لتوقّف المشروع. وبحسب معلومات خاصة لـ«بيروت 2030» فإنّ والد أحد الناشطين حالياً، والذي يرفع اليوم شعار مكافحة الفساد في وزارة التربية، كان يشغل موقع مدير المشروع، وقد استولى على الأموال المتبقية، وأنشأ فللاً وقصوراً، يمتلك إحداها ابنه (أي الناشط نفسه).
هذا الملف يفتح سلسلة تساؤلات مشروعة: هل صدرت التراخيص الرسمية أصلاً؟ من سمح باستخدام مبنى غير مكتمل خارج الغاية التربوية؟ ولماذا لم تُبادر وزارة التربية يوماً إلى الاستماع لإفادات أهالي شبعا؟ هذا ولا يمكن تجاهل مسؤولية بلدية شبعا ومجالسها المتعاقبة، التي يُفترض بها قانوناً متابعة المشاريع العامة ضمن نطاقها. فصمتها طوال هذه السنوات، وعدم تسجيل أي تحرّك جدي بشأن مدرسة قائمة على الورق فقط، يحتّمان إعادة النظر بدورها الرقابي وحدود تقصيرها أو تواطئها.
كما تبرز مسؤولية الفاعليات والنواب الذين تعاقبوا على تمثيل المنطقة، والذين لم يُسجَّل لهم أي موقف علني أو متابعة جدية لهذا الملف، فيما يُحرم أبناء شبعا من حقهم الطبيعي في التعليم الرسمي ويُجبرون على اللجوء إلى مدارس خاصة بتكاليف مرهقة في منطقة تعاني أصلاً من الإهمال وغياب الخدمات.
وفي مقابل هذا الإهمال المزمن، صدر منذ نحو ثلاثة أشهر مرسوم يُجيز لزياد فواز ضاهر، عضو المكتب السياسي في تيار المستقبل، فتح مدرسة خاصة تحت اسم «مدرسة تمدّن» في شبعا، على أرض غير ممسوحة، وسط غموض حول مصادر التمويل، لا سيما مع وعوده المتكررة بإنشاء مدارس وثانويات أخرى في شبعا والمناطق المجاورة.
وكان ضاهر قد سبق وتسلّم مستوصفاً حزبياً تابعاً للتيار في البلدة بعد إقفاله، ليُعاد تشغيله لاحقاً باسم «مستوصف رفيق الحريري» عبر جمعية «تمدّن». وقد شهد هذا المستوصف مرحلة عجز عن دفع الرواتب والإيجارات التي كانت تُغطّى من أحد أقاربه، قبل أن يتحوّل لاحقاً إلى مركز رعاية صحية أولية تنهال عليه الهبات والمساعدات من المنظمات الدولية والمحلية ووزارة الصحة.
وفي مرحلة لاحقة، جرى استغلال مركز الرعاية كمركز تجاري تحت غطاء مستوصف، حيث كانت تُباع الهبات المجانية المخصّصة للمرضى ويتم تقاضي مبالغ تفوق السقف المسموح به وفق العقد الموقّع مع وزارة الصحة. كما أن مدير المستوصف، ماهر عواد، كان قد ترشّح لعضوية بلدية شبعا، حيث استغلّ موقعه لتوزيع أدوية مجانية وخدمات صحية مقدّمة وممولة من وزارة الصحة بما يخدم مصالحه الشخصية والانتخابية.
هذا الانتقال السريع من العجز إلى الوفرة يثير شكوكاً حول آليات الرقابة وإدارة الأموال، لا سيما مع توسّع نشاط الجمعية وانتقالها إلى مناطق أخرى. ومن هنا نسأل: من أين جاءت الإمكانات المالية لتمويل مدرسة خاصة بكلفة مرتفعة؟ وهل نحن أمام مسار استثماري شفاف، أم أمام نموذج جديد لاستغلال النفوذ السياسي وتدوير المال العام والمساعدات تحت عناوين إنسانية؟
ليس هذا فحسب. فقد تبيّن أن مؤسّس جمعية «تمدّن» هو مرهف عريمط، وممثّلها تجاه الحكومة، وأن والده خلدون عريمط ارتبط اسمه بقضية «أبو عمر» التي انتهت بإيداعه السجن. هذا المعطى يفتح الباب حول طبيعة الشبكة التي تدير هذا المسار التربوي – الصحي – الجمعياتي، وحول معايير اختيار الشركاء في مشاريع يُفترض أنها إنمائية وإنسانية، لا نفوذاً سياسياً مغلّفاً بالعمل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يُضاف إلى المشهد الملتبس قيام ضاهر بالتوقيع منذ عشرة أيام على اتفاقية تعاون مع جامعة رفيق الحريري، في خطوة توسّع نشاطه التربوي بشكل متسارع، في وقت لا تزال فيه المدرسة الرسمية في البلدة مجرّد مبنى مهجور بلا طلاب ولا إدارة ولا محاسبة. هذا وكثر الحديث في الأوساط المحلية عن نيّة ضاهر الترشّح للانتخابات النيابية المقبلة، ما يضع كل هذا النشاط التربوي – الصحي – الجمعياتي في إطار سياسي انتخابي بامتياز.
إن ملف مدرسة شبعا الرسمية نموذج صارخ عن هدر المال العام وتعطيل المشاريع وغياب المحاسبة. هذا الملف نضعه اليوم في عهدة وزارة التربية، والبلدية، والنواب المتعاقبين، ومجلس الوزراء، والقضاء المختص. فهل تتجرأ الجهات المعنية مجتمعة على فتحه والتحقيق مع من استولوا سابقاً على المبالغ المتبقية من المشروع ومع الجهة المموِّلة لضاهر اليوم؟ أم أن المبنى اليتيم سيبقى شاهداً إضافياً على مشاريع دولة تبدأ ولا تنتهي، وحقوق تُهدر بلا مساءلة؟

كارين عبد النور
صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.
