‏سيادة «رجية» منتقصة

«المادتان 9 و14 من اتفاقية فيينا تمنعان الدبلوماسيين من التدخّل في الشؤون الداخلية للدول المعتمدين لديها». وعليه، طلب وزير الخارجية اللبناني، يوسف رجي، مغادرة السفير الإيراني محمد رضا شيباني، ساحباً اعتماده في لبنان، وقال في بيان: «السفير الإيراني، الذي لم يمضِ أسبوعان على تعيينه، أدلى بتصريحات سياسية تُعدّ تدخّلاً في الشؤون اللبنانية والسياسة الداخلية للبنان، كذلك أجرى لقاءات مع جهات لبنانية غير رسمية من دون استئذان وزارة الخارجية».

فهل يُطلب من السفراء الذين يقومون بمثل هذه الأفعال المغادرة من دون أي ردّ فعل، وخصوصاً السفير الأميركي وغيره من السفراء الذين يُملون التعليمات والتوجيهات على من يشاؤون من سياسيي ومسؤولي الدولة؟ وهل يُطلب مغادرة وزراء «الخماسية» لأنهم تدخّلوا علناً في تعيين رئيسَي جمهورية وحكومة ووزراء؟ أو لأنهم تناولوا وتدخّلوا في قرارات الدولة والحكومة والشؤون اللبنانية؟ عدا عن اجتماعات خاصة مع فعاليات مختلفة في البلد؟

لم نسمع، من باب الدبلوماسية، عن خطوة مماثلة اتُّخذت حين تبجّح المبعوث الأميركي توم براك بضم لبنان إلى سوريا للانتهاء من المأزق السياسي حينها. ولم نشهد اعتراضاً علنياً على تدخّل السفارات في تحديد موعد الانتخابات النيابية وطرح أسماء شخصيات ذات ولاء غربي وعربي مناهض لمحور الممانعة، الذي ظنّوا أنه انتهى إلى غير رجعة.

كذلك لم يجرؤ أحد على استدعاء سفير الولايات المتحدة للاحتجاج على تزويد العدو بأسلحة أميركية تدميرية فتاكة، ودعم دولته في القيام بعدوانه الوحشي على لبنان.

من المؤكد أن هذا التصرّف لم ينبع من إرادة سيادية محضة، بل من وجهة نظر حزبية فردية، عمادها الموقف العدائي المعلن لفئة من اللبنانيين شاءت الظروف أن تكون في واجهة التصدّي للعدوان الصهيوني والغربي على لبنان.

وكما لاقى القرار تأييد بعض الأطراف اللبنانية الداعية إلى وضع حدّ لتدخّل إيران في لبنان، وخصوصاً دعم المقاومة في صدّها العدوان الإسرائيلي، شهد أيضاً اعتراضاً من جهات حزبية أخرى، ولا سيما الموقف الرسمي لرئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي طلب من الرئيس جوزاف عون التدخّل لإلغائه، منعاً من تأجيج الخلاف الداخلي، ولعدم الدخول في صراعات لا تأتي على البلاد إلا بالمزيد من الخراب.

إن مثل هذا القرار، وفي هذا التوقيت الحساس بالذات، سيجلب إلى لبنان، وإلى رئيسَي الجمهورية والحكومة، أزمة سياسية جديدة، أو بالأحرى مأزقاً من المؤكد أن الدولة لن تعرف كيف تتعامل معه. وقد بدأت ملامحه في نفي الرئيس عون علمه بقرار الطرد، بحسب ما توارد من أخبار. علماً أن مثل هذا القرار تستوجب مناقشته مع الرؤساء، تمهيداً لطرحه على طاولة مجلس الوزراء ضمن جدول أعمال أولى جلساته، ويُعتمد وضعه قيد التنفيذ بعد موافقة المجلس مجتمعاً. عندها يُبلَّغ وزير الخارجية بقرار حكومي رسمي مستند إلى موقف رسمي غير شخصي، بحيث يكون الاعتراض، في حال حصوله، موجهاً إلى الحكومة لا إلى الوزير نفسه.

مقالات الكاتب

زهير كركي

كاتب لبناني.