التغيير ليس سرّاً من أسرار الآلهة، ولا يحتاج إلى تواصل روحي مع مخلوقات غير مرئية تهدينا برنامجاً سياسياً للتغيير يُطبَّق غبّ الطلب أو يُمارس كشعائر دينية، بل هو قبل كل شيء رؤية استشرافية تُحدِّد مكامن القوة والضعف لدى جميع الأطراف المتفاعلة، تقارباً أو تباعداً، مع التشديد على أن الانتخابات وسيلة وليست غاية، يسبقها جهد سياسي تواصلي وثقافي مستمر مع الناس، بهدف بناء قاعدة مجتمعية ثابتة ومستقرة، قادرة في الوقت نفسه على ممارسة الفعل الديمقراطي، لا أن تستفيق فجأة مع الحدث ثم تغيب لتعود مع الاستحقاقات من باب التوقيت فحسب.
شكّلت ثورة 17 تشرين مرحلياً، ومن ضمن ما نتج عنها من إيجابيات سياسية تغييرية، تلك القاعدة كحامل اجتماعي استطاع التأثير في مجمل الحياة السياسية، كتثبيت قاعدة عدم توزير الرموز السياسية الممثِّلة لأحزاب قوى الأمر الواقع. وقد تمكنت تلك الكتلة الشعبية أيضاً من تجيير آلاف الأصوات للوائح ضمّت مرشحين تغييريين، وصل بعضهم بالفعل إلى البرلمان. وقد شكّل ذلك، في بداية الأمر، مفاجأة للقوى التقليدية التي حافظت على تماسكها إلى حدٍّ بعيد، حيث استطاعت لاحقاً استيعاب الصدمة عبر المناورة والالتفاف لحماية مصالحها وقوة حضورها في السلطة، فكان لها ما أرادت.
وبطبيعة الحال، لم تتحقق أهداف التغيير بقواه الذاتية فقط، بل أيضاً بسبب ارتكاب خصومهم التغييريين وغيرهم سلسلة من الأخطاء القاتلة، أهمها بروز حدّة الصراع والانقسام فيما بينهم. فقد تبيّن لاحقاً أن مفهوماً مشتركاً لمعنى التغيير نفسه لم يتبلور لديهم، ولم يشكّل التزاماً سياسياً موحّداً لطرح البديل القادر على تقليص حجم وتأثير السلطة المسؤولة عن مآسي الشعب. فدخلوا في معمعة مواقف مستغربة حيال جميع الاستحقاقات التي تلت انتخابهم، فظهروا كجماعات متفرقة جمعتهم الظروف وجاءت بهم المصادفة.
لقد أظهرت تجربتهم النيابية قلّة معرفة وعدم تمكّن فيما يخص منطق الإدارة والحكم. والمقصود هنا أنهم لم يسعوا إلى بناء كتلة ضغط تفرض إعادة الاعتبار للإدارة العامة، بوصفها الأداة الرئيسية في تقديم الخدمات للشعب وبما هي الوسيلة الأقرب لسدّ احتياجاته، وفق مبدأي الانتماء والنزاهة. فبقيت آليات التعيين نفسها تُنفّذ وفق قواعد وسلوكيات عفا عليها الزمن، تعود بمعظمها إلى حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، أي إلى عهد الرئيس فؤاد شهاب الذي أولى الإدارة العامة الاهتمام اللازم عبر وضع أنظمة وقوانين ترعى حقوق الموظف وواجباته. غير أن تلك القواعد كانت توافق زمنها، بمفاهيمه وفهمه للسلطة والوظيفة العامة.
أما راهناً، فالتطوير بات ضرورة ملحّة، خصوصاً في ظل الإنجازات الكونية التي بلغت حدود الذكاء الاصطناعي. لذا أصبح من الضروري إعادة النظر في الهرمية الوظيفية بدءاً من الفئات الدنيا وصولاً إلى العليا، إذ ثبت في كثير من الأحيان أن الروتين الإداري يعود لتلك التراتبية القاتلة للمبادرة الفردية ولإتاحة الفرصة أمام كل مبدع. هذا فضلاً عن أن الرؤية السياسية التي يجب أن يُتعامل من خلالها مع الإدارة العامة تختلف جذرياً، إذ إنها المهد الأول لـ«الدولة العميقة»، وحولها يتمحور الصراع السياسي لحفظ المغانم والمكاسب، ولتأبيد الهيمنة على قرار الشعب. فلا إنجاز سياسياً ديمقراطياً يمكن تحقيقه، إلا بعد إعادة الاعتبار لإدارة نزيهة، علمية ومستقلة، وحمايتها من التدخلات السلطوية. فواقع الحال يشير إلى فشل ذريع في محاربة الفساد الذي ازداد استشراساً على الصعد كافة، ولم يتحقق الكثير لمواجهته، ومسؤولية ذلك تقع على الجميع من دون استثناء.
إزاء هذا الواقع المؤلم الذي تسببت به الفرص الضائعة لناحية بناء الدولة واحترام الدستور وتطبيق الالتزامات الدولية، يبدو من الضروري قيام أوسع مشاركة شعبية ذات منطلقات تغييرية في الانتخابات المقبلة، تبدأ من فهمنا لهذه الحقائق: رئيس الجمهورية بات تموضعه السياسي شبه معروف، ورئيس الحكومة لا يشكّل ركيزة تغييرية صلبة داخل السلطة باعتباره الحلقة الأضعف فيها، وقد جرى استيعابه في اللعبة السياسية نتيجة مجموعة من العوامل، قلة حنكته وخبرته واحدة منها. وفي المقابل، يقف حلف سياسي متماسك يملك عناصر القوة الداخلية، قادر على فرملة أي اندفاعة صوب التغيير الحقيقي المنشود.

د. مجيد مطر
باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.
